وتوبـوا الى الله جميعـا

خاص عيون نت

التاريخ: الجمعة 17 يونيو 2016 الساعة 12:17:25 صباحاً

كلمات دلالية :

التوبة
وتوبـوا الى الله جميعـا

يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [التحريم: 8)  اقتضت حكمة الله تعالى ان يخلق الانسان نسّاء خطاء، بما ركب فيه من حب الشهوات، وابتلائه بفتنة الشيطان والنفس الامارة، ليكون أحوج الى عناية الله وتوفيقه، ورحمته وعفوه، اعترافا بعبوديته لله وافتقاره اليه في كل شيء: افتقاره اليه في الهداية{ ومن يهد اللهُ فهو المهتدِ }، وافتقاره اليه في الزلل والشطط ان يعفو عنه ويكفر عنه سيئاته{ ومنْ يَغفرُ الذّنوبَ الا اللهُ }. ولو اراد الله العباد معصومين لخلقهم كالملائكة، ولكنه حكيم عليم، يريد عبادا يتجلى عليهم بأسمائه الحسنى، ومنها الرحمن الرحيم العفو الغفور، التواب الحليم. فكيف يكون ذلك لو لم يكن العباد خطائين مذنبين. ولولا اكرام الله تعالى لعباده بالتوبة والمغفرة، ما نجا منهم احد من النار ولا دخل الجنة انسان، مصداقا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا ولا انت يارسول الله، قال: ولا أنا الا ان يتعمدني الله برحمة منه وفضل ). ومن ذا الذي يكافئ عملُه شبرا من الجنة، مهما كانت طاعاته وقرباته، وقد عاش دنياه في نعم الله التي لا تحصى.

كذلك مشيئة الله وحكمته في هذا الانسان، أن يكون خطاء مذنبا، يرتكب الأخطاء، ويقع في المحظورات، ويقصر في الطاعات ويقترف المعاصي والمنكرات، مهمـا بلـغ من التقوى والصلاح، لا يُعصم من المخالفات، فالمعصوم هو نبيُّنا محمَّد عليه الصلاة والسلام  وهو القائل: ( كلُّ بَني آدمَ خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون). وكلما تغلب الانسان على غواية الشيطان واهواء النفس الامارة وأقبل على ربه، دلّ منه ذلك على ارادة قوية صادقة في العبودية والافتقار الى الله عز وجل.

إن وقوع العباد في الذنوب احيانا، له فائدتان عظيمتان:

إحداهمــا :اعتراف المذنبين بذنوبهم وتقصيرهم في حق مولاهم، وتنكيس رؤوس عجبهم، وهذا أحب إلى الله من دوام طاعات قد تحدث لصاحبها العجب .فالمقصود من زلل المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه، ومن انحرافه تقويمه، ومن تأخره تقدمه. قال الحسن :"لو أن ابن آدم كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، أوشك أن يُجنّ من العُجب". وقال ابن عطاء السندري في حِكمه: " رُبَّ معصية أورثت ذلاّ وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ".

   والثـانيــة: حصول العبد من ربه على العفو والمغفرة، فإن الله يحب أن يعفو ويغفر، كما يحب التوابين والمتطهرين. ومن أسمائه الغفار والعفو والتواب الرحيم. فلو عصم الخلق أجمعين، فلمن يكون العفو والمغفرة ؟ . فخلقه سبحانه للعباد خطائين مذنبين، ليس لكونه يرضى لهم المعاصي، ولكن لكونه عفوّا يحب العفو، ولذلك ورد في الدعاء المأثور: (اللهم انك عفو تحب العفوَ فاعفُ عني). قال يحيى بن معاذ :"لو لم يكن العفو أحب إليه سبحانه، ما  أبتلى بالذنب آدم أكرم الخلق عليه".

  فمن عظيم فضل الله على عباده، وجميل لطفه، وواسع رحمته،أن فتح لهم باب التوبة، ونشر لهم بساط رحمته وجناح عفوه، ودعاهم الى مائدة الرضا والرضوان { ليُكفّرَ عنهُم أسْوأَ الذي عَمِلوا ويجْزيَهم أجرَهُم باحسَنِ ما كانُوا يَعمَلونَ }. انظر الى حلمه وعفوه، وقد تاب عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الرسول في الغزو، بل تاب عن وحشي قاتل حمزة عمّ النبي، وقبل ابا سفيان وقد كان رأس الكفر والحرب على الاسلام، وعفا عن خالد بن الوليد وهو هازم جيش المسلمين يوم أحد.. فسبحانه وتعالى: {  وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } (الشورى 25). بل يتكرم الله تعالى على الصادقين في توبتهم، الثابتين عليها باحسان، فيبدل سيئاتهم حسنات؛ وقد وعد بذلك حتى اهل الكبائر كالشرك والقتل والزنا، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا  } (الفرقان 68ـ 71).

  ان الذنب مهما عظم فان عفو الله أعظم، وان من يظن ان ذنبا لا يتسع له عفو الله ومغفرته، فقد اساء الظن بالله، لأن القنوط من رحمة الله من أعظم كبائر الذنوب. ومن عمق العبودية لله أن يعلن العبد عجزه وافتقاره الى عفو الله وتوفيقه في كل حال. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) (مسلم ) ، وهذا الحديث باعث للمسلم على عدم القنوط من رحمة الله تعالى، فإذا أذنب تاب وأناب، ولكن دون اغترار ولا اجتراء على الله بالمعاصي، فما يدريه أن يعيش بعد الذنب حتى يتوب، وقد يدركه الأجل وهو على الذنب أو بعده قبل التوبة، ولو تاب فما يدريه أن تكون توبته مقبولة. وعلى هذا فإنه لا ييأس من رحمة الله، ولكنه في المقابل لا يأمن مكر الله، بل عليه أن يكون بين الخوف والرجاء، وبذلك يستقيم أمره.

   هذه الرحمة الواسعة من ربِّ البرية بعباده تتجلَّى في توبته على العاصي بعد عصيانه، والمذنب بعد اقتراف ذنوبه، فرحمتُه وسعتِ البَرَّ والفاجر، بل وسعتِ السمواتِ والأرض؛ وهو القائل سبحانه: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }(الأعراف: 156). تلك الرحمة التي امتنَّ الله بها على عبادِه، وفَتح اليها باب َالتوبة أمامَ كلِّ المذنبين، فليست التوبة مسلكاً وعراً لا يصل إليها مبتغيها إلا بعد تعب ومشقة أو اعتراف أمام أحد غير الله تعالى، بل إنها سهلة وميسرة، فبابها مفتوح في كل لحظة، يطرقه من يشاء، لا يطرده طارد ولا يقوم بينه وبين ربه وسيط مهما أسرف على نفسه: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُــوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ } الزمر53ـ 54 {. وفي الحديث، أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى بين السبي امرأة تضمُّ طفلها إلى صدرها لترضعه بكلِّ عطف وحنان، فقال لأصحابه : ( أتروْن هذه طارحةً ولدَها في النار؟) قالوا: لا والله، قال: ( لَلَّهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها ) (البخاري).

 ولما كان العباد ضعافا نسائين خطائين، يخطئون بالليل والنهار ويذنبون، فهم مفتقرون الى الله على كل حال، وأحوج الى عفوه ورحمته وغفرانه، وأجدر بالتوبة والاستغفار، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي،ِ انَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ). فكيف والتوبة متعلقة بمصيرهم الابدي، وهي طوق النجاة لهم من غضب الله وسخطه في الدنيا، ومن العذاب والحرمان من الجنة يوم القيامة. فاذا رجع العباد الى الله تائبين مستغفرين، وجدوا وعد الله لهم، والله لا يخلف الميعاد {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } (النساء 110). فماذا يرجو المذنبون بعد هذا الا ان تقبل توبتهم، وتغفر ذنوبهم، وذلك كرم عظيم من رب رحيم.

  بل إن التوبة واجبة لازمة لأنها من اعظم مظاهر العبودية لله تعالى. وليست عملا ظرفيا او موسميا، ولكنها حاجة العبد باستمرار في كل حين، ما دام خطاء لا تحصى ذنوبه الظاهرة والباطنة، من معاصي القلب واللسان والجوارح، في جنب الله تعالى، وفي معاملة العباد. وباب التوبة مفتوح على مصراعيه، قال تعالى:  { الا مَن تابَ وآمن وعمل صالحاً فأولئك يَدخلون الجنّةَ ولا يُظلمونَ شيئاً، جناتِ عدْنٍ التي وَعدَ الرحمنُ عبادَه بالغيبِ إنه كانَ وعْدُه مأتياً} (مريم:60-61).  فما هي التوبة وما شروط صحتها وقبولها ؟ :

ـ التوبة رحوع العبد الى الله وإنابته إليه والتزام طاعته، معترفا بخطيئته، منكسرا بين يديه، يرجو  رحمته ويخاف سخطه وعقابه. فهي في حقيقتها شعور وجداني بالندم على ما وقع وتوجه إلى الله فيما بقي، معترفا له بالربوبية، ولنفسه بالعبودية، اذ لا ملجأ له من الله الا اليه.

  إن التائب لا يكون تائباً حقاً إلا إذا توفرت في توبته ستة شروط متكاملة ومتلازمة :

ـ الشرط الأول: الإخلاص، وهو أن يقصد بتوبته وجه الله عز وجل، لا مكرها عليها ولا طمعا في دنيا ولا رياء، والاخلاص شرط الاعمال مع الله جميعا.

   ـ الثانـي: الإقلاع عن الذنب. والرجوع عن المعصية الى الطاعة، وعن السيئة الى الحسنة، اقلاعا صارما، لا تردد فيه، مع مقاطعة اسبابه واجوائه والعاكفين عليه. وما اكثر الذين يجتنبون المعصية ويلجون اجواءها ويجالسون اصحابها، ويحسبون انهم بريئوون منها !  

   ـ الثالـث: الندم والاكثار من الاستغفار: الندم على فعل المعصية، ندما لا يشوبه شوق الى الذنب، ولا رضى به، ولا ارتياح لذكره، بل يعتريه الخجل والاسف لما بدر منه في جنب الله تعالى. فمن يذكر ماضي ذنوبه بافتخار واستحسان، فهو غير صادق في توبته. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الندم توبة ) والاكثار من الاستغفار، اعترافا بالإساءة في جنب الله، وطلب التوبة والعفو. وفي قصة المخلفين الثلاثة عن غزوة تبوك صورة حقيقية للندم الصادق { وعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  } التوبة 118).

   ـ الرابــع : العزم على عدم الرجوع إلى المعصية، عزما أكيدا. فلو فارق الذنب على نية العودة اليه، أو كان قلبه معلقا به، فهي توبة كاذبة، كمن يقبلون على الله بالطاعات في رمضان على نيـة الارتكاس الى المعاصي بعد رمضان !. والتائب الصادق العازم، يتلقى من الله العون والتوفيق والثبات، مصداق قوله تعالى { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }.

   ـ الخامـس: أن تكون التوبة قبل أن يصل العبد إلى حال الغرغرة عند الموت. وقبل طلوع الشمس من مغربها، فان فرعون لم تنفعه توبته بعد ان ادركه الغرق، والله تعالى يقول: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } (النساء:17) وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن الله يقبل توبةَ العبد ما لم يُغرغـر  ) ( احمد).

ـ والشرط السادس يتعلق بحقوق العباد، فلابد أن يجتهد لتبرئة ذمته منها قبل ان يؤديها من حسناته يوم القيامة؛ فإن كانت مالاً أو نحوه ردَّه إليهم، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنهم منه أو طلب عفوهم، وإن كانت من مظالم اللسان استحلَّهم منها واسترضاهم بالتي هي احسن. وهذا شرط لا يكترث به اكثر التائبين.

  فمن أراد الرجوع إلى الطريق المستقيم فما عليه إلا أن يبادر بالتوبة ويقلع عن الذنوب من قبل أن يأتي يوم يحال فيه بينه وبينها فيتحسر على ما فرط، ويضيق ذرعاً بما وصل إليه من واقع مرير، ويندم ولات ساعة مندم. فليشمـر المسلم عن ساعد الجد، ويتب إلى الله سبحانه بلسانه ويعزم بقلبه ويستجب بجوارحه، محققاً مدلول التوبة بالإيمان والعمل الصالح، لعل الله تعالى يقيل عثرته ويقبل أوبته ويغفر ذنبه، ويدرجه في سلك عباده المهتدين مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: {وإنّي لغفارٌ لمن تابَ وآمنَ وعملَ صالحاً ثمّ اهتَدى} (طه:82.). وهو سبحانه الذي ينادي عباده الى التوبة بالليل والنهار، ليشملهم برحمته وعفرانه. يقول المصطفي - صلَّى الله عليه وسلَّم: ( إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يَبسُط يدَه باللَّيل ليتوبَ مسيءُ النهار، ويَبسُط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيءُ اللَّيل، حتَّى تطلع الشمس من مغربها ) (مسلم ). وما ذلك الا لأن الله تعالى يحب التوابين، { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{(البقرة 222).وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تاخر، يحض على التوبة ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه احمد).

    فلنبادر الى توبة نصوح، تنقذنا من سخط الله، ولا نكن من الغافلين، ولا من المصرّين المدمنين على المعاصي دون توبة ولا استغفار. وما اكثر حالات الاصرار على المعاصي في حيـاة الغافلين:

   ـ فالتقصير في حقوق الله تعالى بالشرك، أو ترك الصلاة أو الزكاة، او التهاون في الطاعات، وعدم التزام الاوامر والنواهي الشرعية معاصي كبيرة وخطيرة في جنب الله، واستهتار بحدود الله وشعائره.

   ـ والاستمرار في المعاملات الربوية وهي من الكبائر، اصرار وتحـدّ لشرع الله، وانتهاك لحرماته.

   ـ والادمان على الخمور والمسكرات غفلة واصرار على ام الخبائث ومنبع الشرور.

   ـ والادمان على التدخين بكل انواعه غفلة واصرار على الخبائث وما فيها من التبذير والهلاك.

   ـ والادمان على المقاهي وملاهي الكرة والفرق والمباريات، غفلة واصرار على ما يشغل عن الله وعبادته، وعن والواجبات والمسؤوليات.

  ـ والادمان على القمار بكل اشكاله اصرار على الرجس من عمل الشيطان، واستهتار بما فيه من نهي ووعيد شديد.

  فليتعقل العصاة المصرون، وليتوبوا ويؤوبوا الى رب غفور رحيم، متبرئين من آفات الادمان والاصرار والتسويف، وليعملوا بقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ((آل عمران 135136).)نسأل الله تعالى لنا جميعا توبة نصوحا، وصلاحا لأحوالنا، وثباتا على الدين ايمانا وعملا.

الخطبــة الثانيــة:

إذا كان عموم الناس محتاجين إلى التوبة، فإنه لابد أن يكونوا مشتغلين بها في كل آن وحين، وأن المبادرة بالتوبة من الذنب فرض على الفور لا يجوز تأخيرها لقوله تعالى:  { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } النساء:17-18.

   هذا وعد الله الحليم الكريم، يسعد القلوب الحائرة، ويشرح الصدور ايمانا ويقينا برحمة الله الواسعة، التي لا يحجبها عن العباد شيء من ذنوبهم وخطاياهم، مهما كانت او بلغت. وما على العبد المسرف على نفسه الا أن يُقبل على مولاه داعيا ،راجيا ومستغفرا، موحدا لا يشرك بالله شيئا، وسبجد الله توابا رحيما. وليس أشد خطرا على العصاة المذنبين، من آفة التسويف وارجاء التوبة، والتعلق بالأمل دون مسارعة الى الانابة والاستغفار. ومن يفعل ذلك فانما يتنكر لحاجته الى عفو الله ورحمته، ويتجاهل يد مولاه الممدودة اليه بالليل والنهار. وهل يملك أحد أجله ويعلم خاتمته ليرجئ التوبة الى ما يشاء ! والله تعالى لا يقبل توبة العبد عندما يغرغر بالموت:{ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ }. فالعاقل من يتعظ بمواعظ القرآن، ولا يلهيه الامل غافلا عن نداء ربه الى التوبة من قريب. وهذا حديث قدسي عظيم القدر في بيان سعة رحمة الله ونداء المذنبين الى الثقة به والاقبال عليه تائبين، فعن انس بن مالك، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: " يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَتُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً ") (رواه الترمذي).

فلنقبل على الله تائبين نادمين مستغفرين، ولنسارع، فانما هي مسارعة الى الرضا والرضوان والرحمة والغفران { وتوبوا الى اللهِ جَميعاً ايّها المُؤمنونَ لعَلّكُم تُفلِحونَ }.اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، اولئك الذين هداهم الله، واولئك هم اولو الالباب.

 

 

ثمرات البركة واستجلابها

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ: اهمية البركة : ايها المسلمون: الكل يصيح

الاثار الطيبة بعد الموت

الحمد الله العزيز الغفار الواحد القهار، أنعم على العباد بهذه الدار، وجعلها مكان بلاء واختبار، ووعد الطائعين بجنات وأنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تواب غفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى عليه الله وعلى آله وسلم ما أثمرت الأشجار وما تفتحت الأزها

قانون الإضافة البسيطة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، ما نزل غيث إلا بمداد حك