الخصوصية الحضارية

التاريخ: الإثنين 26 اغسطس 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً
الخصوصية الحضارية

    الكتاب:               الإبداع الفكري والخصوصية الحضارية

    تأليف:              د. محمد عمارة

    الناشر:              نهضة مصر

    عدد الصفحات:     80              

    تلخيص:             أروى العبادلة

من المواقف الفكرية المحتاجة إلى جلاء موقف الإسلام من الإبداع، ذلك أن بعض الناس قد انطلقوا إلى الإتفاق على موقف خاطئ من رأي الإسلام في الإبداع انطلاقًا من تفسيرهم لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي يقول فيه: “إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”.

فانطلاقًا من هذا الحديث ظن البعض تحريم الإسلام لكل إبداع، ولجميع المستحدثات والمستجدات. دونما تمييز بين إبداع يخالف ويناقض الكتاب والسنة- وهي البدعة في ثوابت الدين- وبين الإبداع المحمود في الفكر الإنساني والصناعات العمرانية، بل في الفضائل الدينية التي لا تقع في حيّز المخالفة، بل دون وعي بأن إشتمال الكتاب والسنة على “أفضل” الحديث والهدي لا يعني نفي “الفضل” عن جميع ما لم يرد فيهما.

ولأن هذه القضية هي واحدة من القضايا الكبرى – والمشكلة – في العقل المسلم المعاصر، زاد الجدل حولها، واشتد الاستقطاب بسببها، فإنها في حاجة إلى جلاء، تبدأ خطواته من الأصول والجذور.

تعريف الإبداع

- الإبداع كما يعرفه علماء مصطلحات القرآن: هو إنشاء صنعة جديدة بلا احتذاء واقتداء. وهو ذات التعريف الذي نجده في معاجم اللغة العربية “فبدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه انشأه وبدأه واخترعه، لا على مثال”.

وهو إنشاء الجديد، واختراع غير المسبوق، وصناعة ما لا مثال له سواء أكان ذلك في صناعة الفكر أم في الصناعات العملية للأشياء.

 البدعة تكون في الدين وقد ميّز علماء الاصطلاحات بينه وبين الإبداع في الفكر الإنساني؛ فالدين وحي إلهي اكتمل في البلاغ القرآني وفي البيان النبوي لهذا البلاغ، أما الفكر فهو صناعة إنسانية يأتي ثمرة للتفكير.

وفارق بين العلم الإلهي الذي هو سبب لوجود الموجودات وبين الفكر الإنساني الذي هو مسبب عن هذه الموجودات ومتغير ومتطور بتغيرها وتطورها.

أما التجديد فهو سنة من سنن الاجتماع الديني في النسق الفكري الإسلامي، دائمة الفعل عبر الزمان والمكان، يقرر ذلك لها وفيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما يقول: “يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها” .. فإن التجديد لا يمكن إلا أن يكون ثمرة للإبداع، ومثمرًا  لمقادير- قلّت أو كثرت – من الإبداع.

وإذا كان الاجتهاد فريضة إسلامية، يتوقف عليها بقاء أصول الشريعة دائمة العطاء والإثمار لما يواكب المتغيرات والمستجدات والمحدثات، فهذا الاجتهاد الذي يختلف فيه إمام عن إمام، ومذهب عن مذهب، وعصر عن عصر، لا بد أن يكون ثمرةً لإبداع وحاملاً لقدر منه.

وقد ميّز أئمة المسلمين وفقهائهم بين بدعة الضلالة وهي التي خالفت الكتاب والسنة  وبين بدعة الهدى التي لا تخالف ما جاء به الكتاب والسنة وإن لم يأت بها قرآن أو حديث وفيها تدخل الفضائل والخيرات وأصناف المعروف التي يبدعها ويبتدعها الإنسان فتتحقق بها مقاصد دينية.

مثال ذلك: مما روى الأئمة في هذا المقام “بدعة” عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- التي ابتدعها عندما جمع الناس على “قيام رمضان” وذلك بأداء صلاة التراويح جماعة وبانتظام، فجعلها شعيرة دائمة في ليالي رمضان، بل سماها “بدعة” فقال:” نعمت البدعة هذه”. وهو ما لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

وتأسيسًا على هذا المنهاج في الفقه الذي يميز – في البدعة الدينية – بين الضلالة المذمومة التي تخالف الدين الثابت وبين بدعة الهدى المحمودة التي لم تأت بها أحكام الدين، لكنها لا تخالف تلك الأحكام في إبداع وابتداع ما لا يخالف كتابًا ولا سنة؛ أجرى العلماء الأحكام الخمسة: الوجوب – الحرمة – الندب – الكراهة – الإباحة.

فواجب إبداع وابتداع العلوم التي لا تقوم فرائض الدين و واجبات خلافة الإنسان لله في عمران الأرض إلاّ بإبداعها وابتداعها، شرعية كانت أو مدنية تلك العلوم.

ومحرم ابتداع المحرمات المخالفة لأوامر الشرع ونواهيه، ومندوب ومستحب إبداع ما يلزم لمندوبات ومستحبات الدين والدنيا، ومكروه إبداع وابتداع ما يؤدي إلى المكروه دينيًا ودنيويًا، ومباح إبداع وابتداع كل ما يدخل في المباحات من أمور الدين والدنيا.

ما يلفت النظر ويستدعي التأمل أن الإبداع في سياسات الدنيا وشئون العمران لم يكن موطن خلاف بين فقهاء الإسلام أو في مذاهب الإسلاميين.

والإبداع الإسلامي في السياسات ليس فقط مطلوبًا، وإنما هو جزء من الشريعة الكاملة وباب من أبوابها – إذا تحقق به العدل والقسط -، حتى وإن لم ينزل به الوحي أو ينطق به الرسول – صلى الله عليه وسلم-

كذلك ميّز العلماء بين الإبداع الإلهي {بديع السموات والأرض} وبين الإبداع الإنساني، قائلين: “إن الإبداع إذا استعمل في الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة، ولا مادة ولا زمان، ولا مكان وليس ذلك إلاّ لله “. بينما الإبداع الإنساني له آلياته ومواده، وهو داخل في الزمان والمكان.

خصوصية التميّز

الخصوصية الحضارية تعني التمايز الحضاري، والتمايز وسط بين الوحدة والفصل التام  وهذا يعني وجود مشترك إنساني عام بين مختلف الحضارات.

فنطاق المعارف والحقائق والقوانين التي هي ثمرات التجارب في العلوم ذات الموضوعات الثابتة؛ هو إطار المشترك الإنساني العام بين كل الحضارات الإنسانية الذي لا تتمايز فيه أية حضارة من الحضارات.

ولكن يختلف الأمر في نطاق العقائد والفلسفات والآداب والفنون وعلوم الإجتماع والإنسانيات.

فالتجربة الروحية، والمجاهدة القلبية، والخاطرة النفسية، والتجربة الشعرية والفنية لا تتكرر على ذات النمط لدى الإنسان الواحد فضلاً عن الأناسي داخل الحضارة الواحدة ناهيك عنها بين أبناء مختلف الحضارات؛ وذلك لأن هذه التجارب لا تتم على مادة ثابتة كحالها في العلوم الطبيعية والمحايدة، وإنما تتم على نفس إنسانية تتميز وتنفرد لدى كل إنسان وتتلون معارفها وثمرات تجاربها بخلفيات الإعتقاد والموروث والعادات والتقاليد والأعراف والطبيعة والبيئة وأساليب التربية والتنشئة والتهذيب وهي خلفيات ومواريث تقارب بين أبناء الحضارة الواحدة بالقدر الذي تمايز بينهم فيها وبين غيرهم من أبناء الحضارات الأخرى.

ما بين التدافع والصراع

إنحاز الإسلام إلى التدافع في ذات الوقت الذي رفض فيه الصراع؛ إذ أن الصراع هو درجة من علاقة الذات بالآخر مقصدها نفي الآخر والانفراد بالميدان، ونفي التعددية وطي صفحات التمايز وقسر الجميع على قالب واحد ومركز واحد، وإذا غاب التمايز غابت دوافع الحراك ودواعي الفاعلية والإبداع.

 بينما التدافع هو “حراك” وليس صراعًا ولا إفناء بغيا تحريك المواقع وتعديل المواقف من الظلم إلى العدل ومن الغلو إلى الاعتدال والوسطية دون نفي للآخرين.

وهذا التصور لموقع الذات الحضارية العربية الإسلامية – في حالتنا – في علاقتها بالذوات الحضارية الأخرى – غربية، صينية، هندية، يابانية …. – هو الذي يستدعي ويستوجب إعمال القانون الإسلامي في علاقة الذات بالآخر وهي علاقة التدافع أي الاستباق والتسابق في الخيرات –  أي الفاعلية والإبداع -، مع مراعاة أن هذا التدافع هو بين من يجمعهم مع تمايزهم مشترك إنساني عام.

 فهو تدافع لفرقاء لن يتم استباقهم إلى الخيرات إلا في وجود الآخرين المسابقين والمنافسين وبدون التعددية لن تولد لدى أي منهم دوافع وحوافز الاستباق ولن توجد دواعي الفاعلية والإبداع.

{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم} فصلت 34

{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} الحج 40

فالعروة وثقى بين التمايز الحضاري وبين التعددية الحضارية التي تجعل علاقات الحضارات  في إطار التدافع الحافز على الاستباق إلى التقدم والرقي، والمحرك لطاقات الفاعلية وملكات الإبداع. وهي وثقى أيضًا بين غيبة الإيمان بهذا التمايز الحضاري سواء بعزلة وانغلاق “المغايرة الكاملة” و “والتناقض التام” ومعه تنعدم ميادين التدافع والاستباق، أو بتبعية التماثل والوحدة الحضارية ومعها يفقد التدافع دواعيه  ليثمر هذا الموقف في النهاية  ذبول طاقات الفاعلية ودواعي الإبداع الذاتي.

خصوصية العصر وفاعلية الإبداع

إن الإيمان بخصوصية العصر هي الأخرى ذات دور تأسيسي في خلق دوافع الفاعلية وتحريك ملكات الإبداع.

إن الذين لا يؤمنون بتميز حضارتهم عن الحضارات الأخرى يستعيضون عن الفاعلية والإبداع بنقل وتقليد ومحاكاة النماذج الحضارية الأخرى، ومذاهب الغير في التقدم وطرائق الآخرين في النهوض، كذلك الحال عند الذين لا يؤمنون بخصوصية عصرهم وتميز زمانهم عن عصور وأزمنة الأسلاف فسيكتفون بنماذج السلف في حل مشكلات التاريخ, وبطرائق القدماء في العيش, وبأنماطهم في التعامل مع وقائع المجتمعات التي عاشوا فيها، ومن ثم ستذبل فيهم ملكات الفاعلية وتتوارى الدوافع للإبداع. فالنماذج مسطورة في الكتب التراثية، والتقل والتقليد أكثر أمنًا عند البعض، وأخف من معاناة فاعلية الإبداع.

لكن كما أن الحالة المثلى لعلاقة “الذات” الحضارية بـ”الآخر” الحضاري هي تلك التي تقف عند حدود التمايز الذي يرى “المشترك الإنساني العام” مع “الخصوصية الحضارية” فيبرأ الموقف من تبعية الذوبان ومن عزلة الانغلاق؛ كذلك تكون الحالة المثلى في علاقة العصر الحاضر بالزمن السالف هي التي تبرأ من القطيعة المعرفية مع الموروث الفكري براءتها من الاكتفاء بهذا الموروث.

وإذا كانت الحداثة الغربية هي داعية القطيعة المعرفية مع الموروث، حيث تتبنى إحلال عصرها الغربي محل موروثنا الإسلامي فإن الجمود والتقليد –  لدى البعض منا – هو الغلو المقابل لغلو هذه الحداثة وبين هذين الغلوين يقف المنهاج الوسطي في علاقة العصر بالماضي وعلاقة المعاصرين بالأسلاف.

منهاج التجديد

فكما يميز المنهاج “التفاعل الحضاري” في علاقة الذات بالآخر بين المشترك الإنساني العام وبين الخصوصيات الحضارية؛ كذلك يميز التجديد بين “المقدس الإلهي” المتمثل في البلاغ الإلهي وفي بيانه النبوي – الكتاب والسنة – وبين الاجتهاد الفكري والتجارب الإنسانية، فيلتزم بالأول مع فقهه، ويحتضن الثاني مع النقد له والاختيار منه، والبناء عليه والتجديد فيه.

كذلك يميز منهاج التجديد بين ثوابت الموروث وبين المتغيرات فيه، فالمناهج غير التطبيقات، وما أجمعت عليه الأمة وتلقته بالقبول مغاير لما يمثل مذهب فرقة أو تجربة دولة أو أعراف جماعة…

فالتجديد تطور لكنه يتم داخل النسق الفكري، وانطلاقًا من ثوابته، والتزامًا بالمقدس الذي تخلق من حوله ذلك النسق الفكري – وبهذا يفترق عن كل من “الحداثة” و”التقليد” – ففيه اتباع في الثوابت وتجديد في المتغيرات. على حين تقيم الحداثة قطيعة معرفية مع الكل الموروث.

وإذا كانت الحداثة لا تثمر إبداعًا لأنها تحل “عصر” الآخر الحضاري محل “ماضينا” فإن التقليد الجامد لا يحدث فعالية مبدعة، بينما التجديد هو الذي يحرك في الأمة طاقات الفعل الإبداعي لبلورة معاصرة متميزة. محكوم تميزها بتميز الأصالة المتمثلة في مقدسنا وفي ثوابتنا التراثية.

 تطبيقات تاريخية

1- في عهد الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -.

أخذت الخلافة وقتها من الرومان خبرتهم في تدوين الدواووين وهو أشبه ما يكون بالخبرات الإنسانية في النظامات والمؤسسات، ولكنها لم تأخذ القانون الروماني على الرغم من أنه كان مبوبًا ومنظمًا؛ وذلك لتميز الهوية الإسلامية بفلسفة خاصة في التشريع والتقنين، وهذا التميز هو الذي حفز فاعلية إبداع الأمة في الاجتهاد الفقهي.

2- نظام الخلافة الإسلامية.

إن التميز الإسلامي في نظرية الاستخلاف، استخلاف الله للإنسان الذي جسده الإسلام في الأمة لا الفرد أو الطبقة – لأن الإسلام هو دين الجماعة – هو الذي حفز العقل المسلم ليبدع نظام الخلافة الإسلامية، ولولا ذلك لجاء نظام الحكم الإسلامي تقليدًا أو محاكاة لأي من النماذج التي كانت سائدة وشهيرة في ذلك الوقت.

3- النظرة الإسلامية في تكريم الإنسان بعدم التميز العرقي أو اللغوي.

فأبدع العقل نظام للشورى يصبح فيه بلال الحبشي الذي أعتقه أبو بكر سيدًا يقول عنه الفاروق: “سيدنا أعتق سيدنا”.

4- السياسة الشرعية.

جاءت السياسة الشرعية سياسة تجمع بين ثمرات الاجتهاد الإنساني والضوابط الشرعية، وتؤلف ما بين المصالح الدنيوية ومعايير السعادة الآخروية.

فكان إبداع الإنسان المسلم والحضارة الإسلامية للسياسة الشرعية التي لم تقف تدابيرها ونظمها وتقنياتها عند مانطق به الوحي وبلغه الرسول، وإنما أضاف إليها الإنسان الاجتهادات المدنية التي تواكب المتغيرات وتستجيب للمستجدات، فتميزت عن سياسة الكهنوت النصراني في دولة الحكم بالحق الإلهي تلك التي حصرت السياسة فيما جاء به اللاهوت.

وتميزت كذلك عن السياسة العقلية المحضة التي لم تضبط الاجتهاد العقلي بضوابط الشرع وحدود الله.

5- فقه المعاملات. 

اقتضى التميز السياسي للسياسة الشرعية تميزًا في فقه المعاملات والقانون الحاكم للمجتمع الإسلامي.

فكان ذلك حافزًا للعقل المسلم على إبداع فقه متميز انضبط فيه الاجتهاد الفقهي بمبادئ الشريعة وقواعدها وحدودها ومقاصدها وبالفلسفة الإلهية في التشريع. فالشريعة وضع إلهي ثابت، والفقه اجتهاد الفقهاء محكومًا بالشريعة الإلهية الثابتة. والله سبحانه وتعالى هو الشارع ولا يسمى فقيهًا. ومجتهدونا فقهاء وليسوا بمشرعين، وثمرات اجتهاداتهم في فقه المعاملات إبداع إسلامي متميز في القانون. لم تعرفه المنظومات القانونية الأخرى.

6- الحضارة الإسلامية ومقاصد الشريعة.

ميزت نظرية الاستخلاف الإسلامية آفاق العمران الإسلامي وهو ما درج على تسميته بالحضارة الإسلامية فشملت هذه الآفاق الدين والدنيا، جاعلة الدين واحدًا من الضرورات التي يتأسس عليها العمران.

 ولقد حفّز هذا التميز فعاليات الإبداع في العقل المسلم، فاستخلص من النصوص الشرعية التي تواترت تواترًا معنويًا مبحث “مقاصد الشريعة” الشامل لـ “الضرورات” وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وبدونها تختل استقامة المصالح فتتهدد الحياة في الدنيا والنجاة والنعيم في الآخرة.

وهذه الضرورات هي خمس: الحفاظ على الدين – الحفاظ على الإنسان – الحفاظ على العقل – الحفاظ على النسب – الحفاظ على المال.

وتأتي “الحاجات” تاليًا لها في مقومات العمران الإسلامي – وهي التي يتوقف على وجودها التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة –.

ثم “التحسينات” التي يؤدي وجودها وتحققها إلى زينة العمران وكماله بمحاسن العادات.

7- العقلانية المؤمنة.

إن المعجرة الإسلامية – القرآن الكريم – لم تأت كالمعجزات المادية للخالين من الرسل  لتدهش العقل وتعجزه وتشل فعالياته، وإنما جاءت لتحفزه على النظر والتفكر والتدبر والتفقه، ليفقهها ويدرك أسرار إعجازها، ويميز متشابهها من محكمها وليفقه – أيضًا مع آياتها – آيات الله في الأنفس والآفاق، فهي لذلك معجزة عقلية، تستنفر العقل للفعل وتحتكم إليه في الفقه، وتعينه على معرفة مالا يستطيع – لنسبية إدراكه – أن يستقل معرفته من نبأ الغيب والأحكام التعبدية في الدين.

لذلك كان حفز هذا التصور لفلاسفة الإسلام على أن يبدعوا فلسفة تقيم البراهين العقلية على صدق الإيمان الديني لا فلسفة تنقصه.

كما حفز هذا التصور فلاسفة الإسلام على أن يبدعوا في “المعرفة” نظرية تفردت بها حضارتنا دون غيرها من الحضارات، حيث اعتمد فلاسفة الإسلام لمصادر المعرفة كتاب الله المسطور بآياته المقروءة وكتابه المنظور بآياته المبثوثة في الأنفس والآفاق.

فعلى حين وقف التصور الوضعي والمادي في الحضارة الغربية بسبل المعرفة عند العقل والتجربة وحدهما فإن فلاسفة الإسلام قد اعتمدوا في سبل المعرفة على أربع هدايات هي: العقل و النقل – الوحي – التجربة – الوجدان، فتتكامل هذه السبل على النحو الذي تصبح فيه منظومة واحدة وتكون تجربتها لونًا من العلم النافع الذي هو عبادة تنمي خشية العلماء لله بنماء اكتشافهم للأسرار التي أودعها سبحانه في المخلوقات.

تطبيقات حديثة ومعاصرة

لقد وعى الغزو الغربي الحديث أن الإحتلال العسكري له أجل وبالتالي فإن السبيل إلى تأبيد التبعية هو إحتلال العقل بإذابة سمات وقسمات التميز الحضاري للعرب والمسلمين، حتى تصبح الحضارة الغربية النموذج الذي يسعون إلى محاكاته وتقليده، فتصبح بلادهم هامشاً للمركز الغربي في الامن والإقتصاد تربطها التبعية الفكرية إلى هذا المركز حتى بعد جلاء جيوش الإحتلال.

 ومنذ ذلك الوقت كان الصراع بين “التقليد” و “التجديد” بين “المحاكاة” وَ “الفاعلية” بين “التشبه” وَ “الإبداع”. القاسم المشترك الأعظم والأعم في كل مدارس الفكر وتياراته بوطن العروبة وعالم الإسلام، فنشأ تياران للفكر في ميدان الدعوة إلى النهوض والتقدم و التغيير:

1- تيار استهلاكي: يدعو إلى تقليد النموذج الغربي في التقدم والنهوض، ومن أمثلة من ساروا على هذا الدرب د.طه حسين.

فلا اجتهاد مع النص الغربي وعلينا أن نحيل ملكاتنا الإبداعية إلى الاستيداع؛ فالفلسفة جاهزة ومذاهبها معلبة من سقراط إلى فوكو، وكذلك الديمقراطية تجاربها مؤطرة من أثينا إلى انجلترا، والنظام الاجتماعي نماذجه محددة من آدم سميث إلى ماوتسي تونج، والمذاهب الأدبية محددة المعالم من الكلاسيكية إلى ما بعد الحداثة. وما علينا سوى إختيار البضاعة ثم الإستهلاك!

2- تيار الإحياء والتجديد: ويدعو إلى إعادة الصياغة والبلورة للمعالم الحضارية التي يتميز بها نموذجنا الخاص عن النماذج الأخرى، ولتطبيقه على الواقع الخاص.

من أمثلة تيار الإحياء والتجديد:

     رفاعة الطهطاوي (1216-1290هـ / 1801-1873م )

وكان أول عين للشرق على الغرب في تلك الحقبة، وهو تلميذ الشيخ حسن العطار الذي أطلق صيحة الدعوة إلى التغيير والتجديد.

وكان الطهطاوي محصنًا ضد الانبهار، ومالكًا لعناصر “رؤية نقدية”، وقد سبر غور النوذج الغربي في التقدم وحدد طلبتنا في بضاعة ذلك التقدم، ونبه على ما فيه من باطل وضار على النحو الذي مثلت فيه نظرته هذه “قانون التفاعل بين الحضارات” والموقف الصحي الذي التزمته مدرسة الإحياء الإسلامي في هذا الميدان.

أدرك الطهطاوي أن ما نحتاجه من أوروبا هو علوم “المشترك الإنساني العام” علوم التمدن المدني، علوم تطوير وتغيير الواقع المادي – لا تغيير النفس الإنسانية المسلمة – العلوم الطبيعية والدقيقة والمحايدة.

ثم توجه إلى الأزهر طالبًا إدخال هذه العلوم لتدرس مع علومنا الإسلامية التي تمثل هويتنا وخصوصيتنا الحضارية، فقد كان باحثاً عن إضافة ولم يكن باحثًا عن بديل.

ولقد تأسس رفض الطهطاوي للمنطلقات الفلسفية الوضعية والمادية الغربية على نظرة مقارنة رأت هذه الوضعية في ضوء الخصوصية الإسلامية؛ فالإسلام لا يهمل “العقل” ولا “التجرية” في النواميس الطبيعية ولكنه لا يكتفي بهما، كما هو حال الوضعية والمادية الغربية، وإنما يضيف الشرع الحاكم فيما لا يستقل بإدراكه الإنسان، فالإسلام – بهذه الفلسفة المؤمنة – يضيف ولا ينتقص، وإضافته هي التي تحقق التوازن في ثقافة الإنسان. كذلك رفض القانون الوضعي الغربي ودعا إلى الاجتهاد الإسلامي، والإبداع الفقهي طالبًا جعله شريعة القضاء في كل مناحي الحياة.

    جمال الدين الأفغاني (1254-1314هـ)/(1838-1897م)

لقد زاد هو وتلامذته هذا الموقف الإحيائي والتجديدي تفصيلاً وشمولاً عند أعلام “مدرسة الجامعة الإسلامية”.

اعتبر الأفغاني أن تبني النموذج الغربي في التقدم، والبدء من حيث انتهى الغرب تشويه لخصوصية الأمة الحضارية، والتقليد للتمدن الغربي لا تقف آثاره المدمرة عند ذبول ملكات الإبداع في تجديد وتطوير النموذج الإسلامي. وإنما يتعدى الخطر إلى تبديد الثروة القومية في استيراد البديل الغربي، وإماتة الصناعة الوطنية وفي ذلك تحقيق مقاصد الإستعمار في التبعية والإلحاق والإحتواء.

     الإمام محمد عبده (1265- 1323هـ) / (1849-1905م)

أيضًا سار الإمام محمد عبده على هذا الدرب فانتقد النموذج الحضاري الغربي ونمطه المادي في المدنية، ولفت النظر إلى التناقض بين نجاح الفكر الغربي وفلاسفة الغرب في التقدم المادي وبين إخفاقهم وفشلهم في علوم ومعارف الفطرة الإنسانية منبهًا إلى أن الدين هو السبيل إلى الكشف عن هذه الفطرة على النحو الذي يصقل النفوس كما صقلت معارف الغرب المادية المعادن والمصنوعات.

إن أزمتنا الحقيقية ومأزقنا الأكبر عربًا ومسلمين هو الفقر في الإبداع والإسراف في التقليد، ولن نبعث في الأمة طاقات الفاعلية وننمي لديها ملكات الإبداع إلا إذا استيقنت أن طريقها إلى الخلاص هو طريق متميز، لا يجدي فيه الاستيراد والاستهلاك. عند ذلك يكون الولوج إلى أبواب الإبداع؛ فكما يقولون: الحاجة أم الإختراع.

وإذا كان الإبداع هو طوق النجاة فإن الحاجة إلى صياغة نموذجنا الإسلامي النهضوي هي أولى درجات سلم الإبداع في وطن العروبة وعالم الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــ

بقظة فكر

التداول على السُلطة التنفيذية

إلى الشعوب التي حطّمت أغلال عبودية البشر، وقدّمت قوافل الشهداء، ودفعت الثمن غالياً من دماء أبنائها وابتُليت بالجوع والخوف والفزع، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله وما ضعفت وما استكانت للوصول إلى حريتها وكرامتها وتحقيق العدالة والشورى بين أبنائها ولسان حال مواطنيها قول الشاعر:

الأسباب الموجبة لمحبة الله كما عدّها ابن القيم

وسط هذا الجو المزدحم والزاخر بالماديات، والتثاقل إلى الأرض وطينها.. يحتاج المسلم إلى السمو والرفرفة في عالم الروح؛ حتى تكون حياته متوازنة، فلا يربو جانب على آخر، فهو يبتغي بين هذا الطريق وذاك سبيلاً.. هو السبيل الذي أراده الله لعباده. ومن ثم يأتي كتاب الدكتور عبد العزيز مصطفى

قوة الفكر

الفكرة قد تكون بسيطة وقد تبدو ضعيفة ولكنها في الحقيقة أعمق و أقوى مما تتخيل .2- بالفكر يستطيع الإنسان أن يجعل عالمه من الورود أو من الشوك .3- كل إنسان يرسم في داخله صورة عن نفسه في جميع أركان حياته , فالصورة التي ترسمها في داخلك من أهم أسباب النجاح أو الفشل .4- الثقة هي القوة الذ