الإسلام والطاقات المعطلة

التاريخ: الخميس 28 مارس 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً
الإسلام والطاقات المعطلة

الكاتب:                   الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله

 الطبعة:                   نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

 عدد الصفحات:          176  صفحة

 تلخيص:                  أروى العبادلة

إنّ أمماً شتى تغزو الفضاء بعدما انتصرت على الأرض. في حين أن جماهير المسلمين – بعد رقاد طويل – شرعت تفتح عينيها لترى أين تضع قدمها في أوائل الطريق الطويل!

  كيف جمدت هذه الأمة؟

  وكيف تنطلق؟

  وعلى من تقع التبعة؟

  وما قيمة مواريثها الروحية والفكرية؟

  وهل هي عائق ينبغي أن يزاح ؟ أم مصدر حياة يجب أن ينمى؟

في هذا الكتاب الموجز إجابات على هذه الأسئلة المتتابعة. فقد تساءل المؤلف الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – عن سرّ الفتور الشائع في الأفراد والجماعات؟ ولماذا يستقبل الناس الحياة وبهم إزورار عن مواجهتها، وصدود عن مذاقها؟ ولماذا نرى الأجناس الأخرى تنطلق مع مطلع الشروق وكأنها على أبواب رحلة ممتعة؟

لنقلها صريحة: فإن أمتنا محتاجة إلى أن تجيد فن الحياة. وقبل أن تصل إلى درجة الإجادة المنشودة، لن يصلح بها دين ولا دنيا.

إن الطاقة البشرية في هذه النفوس لا تزال مادة غفلا, كأنها معادن مرمية في مناجمها لم تستخرجها يد، أو كأنها بعض قوى الكون المجهولة لما تكتشف بعد.

طاقات معطلة

إن الطاقة الكبرى في الشباب – الذي يجتاز من عمره مرحلة التوقد والمغامرة – تدعو للرثاء، لما فيه من ركود العزم  وانطفاء الأمل.. يريد أن يطعم وهو قاعد، وأن يسعد وهو نائم، وألا يلقى الحياة إلا وهي تهب رخاء، لا تجهم فيها ولا رعد، ولا غيم فيها ولا وحل.

    كيف السبيل إلى تصحيح المعاني الإنسانية المجردة في هذه النفوس التي استعجم بعضها وتحجر البعض الآخر؟

    ماهي العوائق والمثبطات ؟

    وماهي الحوافز والمرغبات؟

    هل الدين هو المسؤول؟

 إن ذلك ما نحاول بحثه والإجابة عليه.

    قال أحدهم: إن الأديان – إجمالاً – تبغض الحياة للناس، وتصدهم عن الإقبال عليها، وتوجه آمالهم إلى الدار الآخرة. ومن هنا فإن طبيعة الشخص المتدين تقوم على قلة الاكتراث بالدنيا أو التعويل عليها ويتبع ذلك عجز عن تعميرها، أو زهد في أخذها، أو تقصير في أداء حقوقها!

قلت: ما أحسب هذه طبيعة الأديان على العموم، وأجزم بأن الإسلام بريء كل البراءة من هذه النزعة.

إن الإسلام يقيم أركان الإيمان على فهم الحياة بصدق، والتصرف فيها بعقل وأمانة، والقيام برسالتها إلى آخر رمق.

ولعل أقرب ما يصور هذه الحقيقة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت الساعة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها”. إنه الأمر بمواصلة أسباب الحياة، في الوقت الذي تستحصد فيه الحياة … وممن صدر ؟ صدر من نبي يوجه البشر للآخرة، ويحث الناس على كره جحيمها وحب نعيمها ..

وقد يبدو هذا الأمر متناقضًا في بواعثه وغاياته. وهو متناقض حقاً لو أن وظيفة الإسلام بناء الآخرة على أنقاض هذه الحياة.. لكنه ليس كذلك، إنه جعل صلاح الآخرة نتيجة حتمية لصلاح الأولى. وقد أبان القرآن الكريم لنا أن البشر لم يطرقوا هذا العالم ضيوفًا عليه أو غرباء فيه، بل جاءوه ملاّكًا مسودين، وقطانًا قادرين، و وضعت تحت أيديهم مفاتيح كل شيء ليتقلبوا في أرجائه كيف شاءوا.

قال تعالى :{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}  (13)

فإذا مرت الأيام ولم يتفكروا الأقوام، ولم يستخدموا ما سخر لهم هنا وهناك فمن الملوم؟ أدين الله؟

وإذا بين الله للإنسان أنه سيّد هذه الأرض، الممكّن فيها، فجاء الإنسان إلى قطعة من هذه الأرض فعبدها، وأحنى صلبه أمامها وألغى عقله قلبه بإزائها، فمن الملوم؟ أدين الله؟

إن الله تبارك وتعالى أبدع هذا العالم وشحنه بالخيرات وقال للإنسان: اعرف عظمتي عن طريق التأمل في إبداعي، وتشبع من هذه الخيرات واحمدني على آلائي، والزم هذه الخطة حتى لا تضل ولا تشقى.

إنّ الإسلام رسم خطًا مشرقًا للحياة الإنسانية على ظهر الأرض، وأي تال للقرآن الكريم يعلم أن الله أعرق ما في الإنسان من خصائص، وطلب إليه أن يديم الخطو بين فجاج الأرض وآفاق السماء وهو مفتوح العين ذكي النظر مرهف الحس. إن الإسلام لم يقيد هذه الإباحة المطلقة إلا بشيء واحد؛ أن يشعر بأنه مهما طال به المدى فهو عائد إلى ربه ليقدم حسابًا دقيقًا عما صنع. والدين يذكّر الناس بالموت لا ليكفّوا عن السعي، أو يتوقفوا عن الحركة، بل ليكون سعيهم راشدًا وحركتهم رزينة.

إن العمل للحياتين: الدنيا والآخرة قد وصل الإسلام أطرافه و ربط بعضه ببعض، فإذا رأيت طاقات معطلة، وأعمالاً مهملة، وواجبات مهددة، فثق أن الذي ضاع من دين الله لا يقل عن الذي ضاع من دنيا الناس، وثق أن الانهيار النفسي الذي جر هذا الضياع قد أصاب الإيمان والخلق بمثل ما أصاب الحضارة والعمران.

الكفر بالإنسان

ويتبع الكفر بالحياة, وجهل وظيفة المرء فيها، الكفر بالإنسان نفسه، وبخس قيمته وتشويه حقيقته. فيسئ المتدين المنحرف تصور الملكات والشهوات الإنسانية، وينظر إليها نظرة ازدراء، إلاّ أن الله كرّم الإنسان وأنشأه خلقًا آخر، خلقًا مكرمًا يختلف عن الحيوانات بما أودع في بنائه المعنوي من خصائص وأسرار. خلقًا إذا ما بلغ نماؤه الصحيح، كما تنمو الشجرة من بذرتها السوية، فاق الملائكة، وحلّق في الملأ الأعلى. وربما كانت الحملة على الإنسان كسرًا للغرور الذي يشيع بين جم غفير من الناس، وكفكفة لشرور الكبر والاستعلاء التي تفسد الأخلاق، والإنسان بلا ريب محتاج إلى الحساب الدائم والرقابة الدقيقة، ولفته إلى عيوبه كي يتركها، خير لا شك فيه؛ إلا أن الأمر انقلب – مع المربين الأغرار – إلى الضد. إنهم لم يفلحوا في إزالة الزوائد الضارة وحسب، بل اجتاحوا الأصل نفسه، وذلك عندما حاولوا قتل الغرور في إنسان مغرور، بلغوا في الجور حدًا جعله يفقد الثقة بما عنده.. فذهب الكبر، ثم ذهبت أيضًا عزة النفس.. ثم ذهبت كذلك الشخصية الحرة المستقلة. وعلى خلافه التواضع؛ على أنه يعد فضيلة محمودة، بيد أننا لم نجن من هذا الإسلوب في غرسها، إلا خلق جيل موطئ الظهر لكل معتدِ، وتكوين أناس يحتقرون أنفسهم من الصميم، ومن ثم لا يصلحون لعمل عظيم.

لابد – لكي تتم رسالة الإنسان في الحياة – من احترام ملكاته، وإقرار شهواته. لابد من إنماء مواهبه العالية، وترك رغائبه الطبيعية تتناسب وفق مقتضيات الفطرة السليمة. لا بد من تهيئة الجو الخاص والعام كي يسلم الكيان البشري كله من العاهات العارضة والسدود العائقة.

 

لقد نظّم الدين عمل هذه الرغبات القوية، وحسّن توجيهها إلى أهدافها، والقيود التي يضعها عليها ليست لإعاقة وظيفتها وإنما لضمان هذه الوظيفة بإبعاد الشطط والغلط عنها.

والإسلام من هذه الناحية يُوصف بأنه مادي كما يُوصف بأنه روحي، وليس لأحد الوصفين ألصق به من الآخر، فكلاهما يومئ إلى جزء من حقيقته، وكل محاولة لسحق الشهوات وتشتيت شملها فهي عطل في جوهر الإنسان، وعجز عن آداء رسالته.. أما الملكات العليا في الإنسان فمحور نشاطها أن الإنسان سيد في هذا العالم، وعناصر سيادته تتكون من تجاوب نفسه مع هذا الكون الكبير.

في النفس البشرية استعدادان متقابلان: السلبية والإيجابية، وهما اتجاهان متعارضان، ولكنهما موجودان جنبًا إلى جنب في هذا الكيان الإنساني العجيب الذي خلقه الله على خير مثال. وكثيرًا ما يؤتى البشر من سوء توجيههم في أحد هذين الاتجاهين أو في كليهما. فالدول الديكتاتورية تضخم جانب السلبية لتضمن السيطرة الكاملة عل كل تصرف من تصرفات أفراد الشعب، محافظة على سلطانها الديكتاتوري. والدول الديمقراطية تبالغ في تضخيم جانب الإيجابية إلى درجة تبيح استغلال الفرد القوي لغيره من الناس استغلالاً ظالمًا. كما تبيح كثيرًا ما يسمونه “الحرية الشخصية” إلى حد يثير الفوضى.

ولقد نفذ الإسلام إلى هذين الخطين المتقابلين فصحح معيارهما بهمّة فريدة تضع كل شيء في نصابه الحق، فتبدو الأمور طبيعية منطقية لا عوج فيها ولا انحراف. ذلك أنه أعطى سلبية مطلقة أمام الله (التسليم المطلق) فالله هو الخالق, وهو المتصرف, وهو المدبر, وهو المعطي, وهو الآخذ, وبيده كل شيء, وهو على كل شيء قدير .

إضافة إلى إيجابية مطلقة إزاء قوى الكون كلها؛ فالكون كله بجميع طاقاته وكنوزه وذخائره مسخّر للإنسان ميسّر لمنافعه.

هاتان حالتان تصطبغ بهما نفس المسلم الموصول بالقرآن، المرتبط بروحه المتأثر بإيحائه.

إن المجال الطبيعي لملكات الإنسان العليا هي البحث في هذا الكون، ومن نتائج هذا البحث يتكون الإيمان بالله وتشرب الأفئدة طرفًا من عظمته، وكل ميدان افتتح للمجادلات الغيبية كان تبديدًا آثمًا لطاقتنا العقلية. وكل عائق اصطنع لمنع العقل الإنساني من التجوال في الآفاق والإئتناس بمجالي القدرة العليا في الأرض والسماء، فهو عائق افتعله الجهل أو الضلال والإسلام منه بريء.

الاستبداد يشل القوى

إن الحكم الاستبدادي تهديم للدين وتخريب للدنيا، فهو بلاء يصيب الإيمان والعمران جميعًا، وهو دخان مشؤوم الظل تختنق الأرواح والأجسام في نطاقه حيث امتد.

والإسلام ينكر أساليب العسف التي يلجأ إليها أولئك المستبدون في استدامة حكمهم واستتباب الأمر لهم. كما أن الملكات الإنسانية، لا تنشق عن مكنونها من ذكاء واختراع، إلا في جو من الإرادة المطلقة، والحرية الميسرة.

ومما يقترن بالاستبداد السياسي ولا ينفك عنه، غمط الكفايات، وكسر حدتها، وطرحها في مهاوي النسيان ما أمكن، وربما اعتقد المستبد أن كل كفاية إلى جانب عبقريته الخارقة صفر لا تستحق تقديرًا ولا تقديما، وفي رأيي أن حظوظ الأمم من الكفايات متساوية أو متقاربة، وأن أولي النباهة والمقدرة عند أية دولة في الغرب لا يزيدون كثيرًا عن أمثالهم في أي شعب شرقي، كل ما هنالك أن قيادة الجماهير عندهم أخذ طريقه الطبيعي إلى أيدي الأذكياء والأكفياء.

إن المستبد يؤمن بنفسه قبل أن يؤمن بالله، ويؤمن بمجده الخاص قبل أن يؤمن بمصلحة الأمة. وتأخر العالم الإسلامي في القرون الأخيرة مرجعه إلى انتشار هذا الوباء. وفي أثناء مغيب الحرية عن بلد ما، يقل النقاد للأغلاط الكبيرة، أو يختفون وتضعف روح النقد عموماً، أو تتوارى. وحاجة الأمم للنقد ستظل ما بقي الإنسان عرضة للخطأ والإهمال، وما دامت العصمة لا تعرف لكبير أو صغير، فيجب أن يترك باب النقد مفتوحًا على مصراعيه. ويجب أن يحس الحكام والمحكومين بأن كل ما يفعلون أو يذرون موضع النظر الفاحص والبحث الحر، وقيمة النقد في إحسان الأعمال وضمان المصالح لا ينكرها عاقل.

وزاد الطين بلّة شيء آخر.. أننا عندما اتصلنا بالغرب في أثناء القرنين الماضيين وشعرنا بضرورة الاقتباس منه والنقل عنه، كانت أفهامنا من الصغار – ولا أقول من الغفلة – بحيث لم تلتفت إلاّ للتوافه والملذات. فالحرية التي تشبثنا بها ليست هي حرية العقل في أن يفكر ويجد ويكتشف.. بل حرية الغريزة في أن تطيش وتنزو وتضطرم.

الحرية التي نريدها ليست في استطاعة إنسان ما أن يلغو كيف شاء!

الحرية التي نريدها ليست في قدرة شاب على العبث متى أراد.

الحرية التي يحتاج اليها العالم الإسلامي تعني إزالة العوائق المفتعلة من أمام الفطرة الإنسانية، عندما تطلب حقوقها في الحياة الآمنة العادلة الكريمة، الحياة التي تتكافأ فيها الدماء وتتساوى الفرص وتكفل الحقوق، وينتفي منها البغي، ويمهد فيها طريق التنافس والسبق أمام الطامحين والأقوياء.

أثر الثقافات الرديئة

بعض الأطعمة يورث من تناوله صداعًا في الرأس، واسترخاء في الأعضاء، وانقباضًا عن الأعمال.. وبعض أنواع المعرفة يترك في النفوس من التطير والخمول مثلما تتركه هذه الأغذية الرديئة في الأجسام! وحقيق بنا أن نبحث عن مصادر المعرفة التي توجههنا، وأن نتدبر فعلها في مشاعرنا وأفكارنا.

وما أكثر الأوهام التي تُسيّر الناس، وتجعلهم ينشطون إلى سراب خادع، أو يرعبون من خيال مختلق. والمجتمع الإسلامي من أزمنة متطاولة ضللته أحكام خاطئة، واستولت عليه صور ذهنية وقلبية ما أنزل الله بها من سلطان. فكم من أشياء دُرست على أنها دين، وبعد ذلك وجدناها اجتهادًا محدودًا لأحد الباحثين ليست له قداسة الدين ولا حرمة الخروج عليه.

وحرام أن تحبس أمة ضخمة في تفكير رجل واحد قد يخطئ وقد يصيب، وحرام أن توصف في محبسها هذا بأنها تلتزم حدود الإسلام.

إننا أحوج الأمم إلى غربلة الأحكام والعادات والموروثات التي تشيع بيننا، ومقاضاتها إلى اليقين من كتاب ربنا وسنة نبينا. فلقد نهانا الله عن إتباع الظنون العائمة، أو احترام الخرافات القائمة، وأفهمنا أننا مسئولون عن حواسنا حتى لا يفتنها عن الحق خدّاع، ولا يجرها إلى الباطل تقليد.

{ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} الإسراء: 36

نحن نريد أن يكون الغذاء الروحي والعقلي للأمة نابعًا من اليقين، بعيدًا عن الأباطيل، مستقيمًا مع مناهج الاستدلال العلمي التي يحترمها أولو الألباب.

القرآن الكريم

كتاب مبارك، خلق من الهباء أمة ضخمة. واستبقى على القرون جيلاً من الناس، ماكانوا  ليدخلوا التاريخ أبدًا لولا نهوض هذا الكتاب بينهم. وبركة هذا القرآن تعود إلى غزارة الحقائق التي تضمّنها وروعة المنافع التي كفلها.

والمسلمون يشعرون بهذا، غير أن شعورهم يأخذ طريقًا مبهمًا ساذجًا يجعل صلتهم به لا تعدو التعبد بالألفاظ، والتوقير المادي للتلاوة المجردة. وهم ينتظرون الرحمة من القرآن على نحو مستغرب! فهم يحسبون الرحمة شيئًا يفيض من الآيات في مجلس القراءة، كما تنبعث الحرارة من الموقد، ثم يحسبون هذه الرحمة ستعمل عملها تلقائيًا في إسعاد البائسين وإفراح المحزونين!

وهذا تصرف مقلوب؛ فالرحمة المرجوة من القرآن تجئ من تعرض الناس لمعانيه يلتمسون فيها مخرجًا من الحيرة وقرارًا من القلق. تجئ من تأمل القارئ والسامع في هذه الحكم البالغة التماسًا لدواء يتداوون به، أو توجيه ينقادون إليه.

إنها لا تسيل في مجالس الأحياء والأموات فتصيب الغافلين وتنال المعرضين، كلا؛ إن رحمة القرآن الكامنة فيه يظفر بها أهل الوعي والتدبر والعمل.

إن القرآن يبني الأفراد والأمم بطريقتين: الأولى صوغ الأنفس على معرفة الله واستشعار عظمته، والتهيؤ لملاقاته يوم يقوم الناس لرب العالمين. والأخرى: الأحكام المحددة التي فصلها، وطلب من عباده إنفاذها سواء أحوالهم الخاصة أو في شؤؤن الأسرة والمجتمع والدولة. كما يعالج الأمم بما يوفر لها سلامة الجوهر، واستقامة الطبيعة، ومن ثم حفلت السور بفنون لا تحصى من العظات التي تقيم الحياة الباطنية على دعائم من التقوى والخشوع والإخلاص.

السنة

كان التاريخ كله علمًا ثانويًا في مواريثنا الثقافية، وكان موضوعه مجالاً رحباً للخرافيين والكذبة. وكانت حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم – تأخذ جانبًا محدودًا من هذا التاريخ، ولم يتصد لها من يربط بين فصولها، أو يبرز ضروب الحكمة المستكنة في مراحلها وأدوارها، أو يشرح حقيقة الأسوة المطلوبة منها.

كل ما هنالك جملة من الأحاديث المتفاوتة القيمة، يشرح الحديث منها في نطاق خاص به، دون محاولة لجمعها في صعيد متكامل، تستبين منه الصورة الجامعة لخلال النبوة ومواقفها بإزاء مشكلات الحياة وقضاياها الكثيرة.

قد تقول: ما معنى هذا الكلام وما غايته؟

والجواب أن الكلمات المنقولة عن شخص ما، لها دلالتها التي لا شك فيها. بيد أني أحب أن أحاكم هذه الكلمات إلى حياة هذا الشخص، وطبيعة أعماله منذ ولد إلى أن مات.

فإذا استيقنت من متابعة أعماله أنه كان مجاهدًا لا يفتر، رفضتُ أي كلمة تنسب إليه وهي توحي بالقعود أو الاسترخاء. وأنكرت كذلك على من يتأسى به وهو كسلان خوار، ولو تعلق ببعض النقول المروية عنه، أو أدى بعض الوصايا التي مر بها يقينًا.

لقد راقت رجالاً وطوائف تتصل بالسنة وتتدارس أحاديث منها كثيرة، أحاديث لا حصر لها؛ ومع ذلك نصيبهم من الأسوة الحسنة تافه؛ ذلك لأنهم ربما استوعبوا التفاصيل الجزئية لناحية من حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وذهلوا عن الصورة الكاملة، والمعنى الجامع. وقد يكون استحضار هذا المعنى الجامع متعذرًا مع تشعب التفاصيل التي غرقوا فيها.

إن جمال امرئ ما، لا يعرف من تسليط عدسة مكبرة على جزء من جسمه، وإنما يعرف قبل كل شيء من التقاط صورة عامة لملامحه متناسقة مترابطة.

ومن هنا كان لابد من تصوير حياة الرسول للناس تصويرًا يهدي بجلاء عبادته وجهاده وخلقه وقضاءه وسلمه وحربه وإقامته وسفره وسلوكه في بيته ومع الناس.. إلخ, وعلى ضوء هذه الصورة الشاملة يمشي المسلمون. وهذه الصورة هي حجر الزاوية في السنة ومنها تتفرع سائر البحوث التي يعني بها الأخصائيون وحدهم.

أما قضاء بضعة شهور مثلاً في قراءة ألف حديث تتصل بأبواب الوضوء، فذلك جهد لا تصلح به حال المسلم من أوساط الناس ولا تخدم به السنة. وحياة الرسول هي التطبيق العملي لتعاليم القرآن الكريم، كما أن القرآن هو الجانب العلمي من هذه الرسالة الشاملة.

الفقه

الفقه الإسلامي محيط بالحياة الإنسانية من ألفها إلى يائها، وكذلك عندما يقضي أجله ويتجه  إلى الدار الآخرة، وبين حياته و وفاته يتصل الخطاب الإلهي بما يدع وبما يصنع، مفصلاً أنواع الحلال والحرام، ومختلف الحقوق والواجبات.

الينبوع الدافق لهذه الأحكام العتيدة والمتجددة ينبجس من كتاب الله وسنة رسوله، والنصوص والقواعد التي تعتبر دعائم هذا الفقه محدودة يمكن استيعابها، لكن أساليب الإجتهاد في تنزيل صورة الحياة عليها و وزن أعمال المكلفين بها هي التي وسّعت دائرة الفقه، وقد بدا الاجتهاد الفقهي مع ابتداء الإسلام نفسه ونشأ على أثره الخلاف نتيجة لطبيعة التفكير الإنساني لكل مجتهد فمنهم من تجده حرفي المنزع في حكمه وأدائه ومنهم من يتوسع في فهمه وفق ما يرى من حكمه ويبصر من غاية.

ولذلك وجب علينا إقرار الآتي:

    أن ثمرات الاجتهاد الصحيح متساوية القيمة.

    لا معنى لصبغ بعضها بصبغة القداسة، فهي جميعًا اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب.

    لا معنى لإلزام آخرين باجتهاد أحد، أو تخليد هذا الاجتهاد واعتباره كأنه الإسلام نفسه.

العقائد

إن حديث القرآن الكريم عن الله -عز وجل- شأنه لم يتسم فقط بالصدق العقلي وقوة الحقيقة التي تتساقط من حولها الشبهات، بل اتسم أيضًا بصفاء الجوهر صفاء يستهوي الأفئدة ويشوق النفس. ولذلك كان الجيل الأول الذي اعتنق الإسلام يؤمن بالله الواحد إيمانًا راسخًا، ويحبه حبًا عميقًا، وكان يقتفي مظاهر هذه الوحدانية في أرجاء الأرض والسماء وما بينهما، فيبهره الجمال الإلهي المسكوب على كل شيء. ثم كان يطبق منطق هذا التوحيد الأعلى على علائقه بأصناف الناس، فلا يرغب ولا يرهب ولا ينكص ولا يجرؤ إلاّ بوحي من إيمانه الخالص.

إن الأمة التي تنبعث عن عقائد متغلغلة الجذور في كيانها لا تعرف وهنًا ولا هوانًا. والأعداء والأصدقاء يعلمون أن الإسلام لا يُغلب في ميدان الفكر الحر، وأن عقائده تقوم على أعمدة عقلية لا يهزها زلزال أبدا.

إن العقائد الإسلامية هي الركائز لوجودنا الاجتماعي والسياسي، فإذا تخرج ألوف مؤلفة من المدارس والجامعات وهي خالية الفؤاد من العقائد الدافعة، فليس معنى هذا إلا تخريج أصفار لا وزن لها.

إن مشروعات التقدم إن لم تتصل بالعقيدة التي تنيرها كما تتصل الأسلاك بمولد القوة ما الفائدة منها؟

ألا فلنعلم أن فقدان العقائد المثيرة، والأهداف الرفيعة معناه خسارة كل شيء وان ما تحفل به أيدينا إنما هو هباء لا يساوي شيئًا.

التخلف في الكشوف المادية

إن قرآننا هو الكتاب الفذ في العالم الذي يلح على قرّائه أن يفكروا ويعقلوا وينقلوا أنظارهم بين فجاج الأرض وآفاق السماء. إنه الكتاب الذي يجعل الإيمان أول نتائج العلم، والذي يحض على النظر في عالم النبات والحيوان والجماد؛ لأنه لا يخشى عقبى هذا النظر، بل يرى أن هذا النظر أداة لمعرفة الله وخشيته. والمنطق الحديث الذي نهض على مهاده صرح العلم المعاصر لا يطلب من أولي الألباب أكثر من هذا النظر الدقيق والفكر الوثيق.

إن شؤون الدنيا وعلوم الحياة مصدرها الأول والآخر العقل، والسمع، والبصر. أما علوم الشريعة وحقائق الأمور الإلهية والآخروية فمصدرها الأول والأخير هو الوحي الأعلى. وعندما نقول: أنه لا خلاف بين العلم والدين، فنحن نعني ان القرآن يستحيل أن يتضمن غلطاً في حقيقة كونية وصل إليها العلم.

واستقامة آيات القرآن مع حقائق العلم لا يفيد أن الرواية والنقل مصدران للعلوم المادية أو البحوث الكونية، فإن لتلك العلوم والبحوث أسبابها التي تنشأ عنها وتنمو.

ونحن نقطع بأن العلوم المادية مصدرها التجربة والملاحظة والاستقراء، وأن ما وراء المادة لا مصدر له إلا الوحي الصادق.

أعراض عامة

والرذائل التي تعبث في الحياة الإسلامية تنحدر من منبعين:

    أولهما: الموروثات القديمة التي تكونت على مر العصور نتيجة ابتعادنا عن الدين، أو نتيجة اضطراب مفاهيمه في أذهاننا. وهي موروثات شديدة الفتك قريبة الشر.

    والآخر: تقليدنا الأعمى للحياة الغربية، تقليدًا لا رشد فيه ولا تميز.

والأمم في قوتها تقتبس من غيرها ما يزيدها منعة وبصرا، وفي إبان ضعفها لا تلتمس إلا ما يوائم هذا الضعف.

وقد التقت الموروثات الرديئة، والمحدثات السخيفة في حياة هذه الأمة الإسلامية التقاء ضاعف حجب الغفلة، وعقد أسباب البلاء. كما أنه زاد أعباء المصلحين، وضرورة التروي في حل المشكلات، والتلطف في بعث القوى الهامدة.

ثم توقف الشيخ كثيرًا على مجموع من الآفات أرجع إليها كثير من الطاقات المعطلة ننهي بها عرضنا له، وهي كالآتي:

    الأمل الطائش.

    غياب الرسالة.

    عدم البذل.

    فقدان الأمانة.

    تفشي الغش.

    كما أبرز اهتمامًا خاصًا بالتعاون المفقود.

    كما نتوقف معه عند قوله في العناية بالاختلاف؛ لأن إنكاره يعد عبثًا فضلاً على أنه معطلاً للطاقات – كما ذكر-: إن الله عز وجل خالف بين الملامح النفسية والفكرية للناس بقدر ما خالف بين ملامحهم البدنية وقواهم المادية. ولا شك أن هناك معاني عامة يشترك الكل في وعيها، ولكن من العبث إنكار أثر التفاوت العقلي والعاطفي في طبيعة الإدراك وأسلوبه.

    ونحن لا نخشى مثل هذا الاختلاف ولا نحاول منعه.. ولا نتبع عثرات الناس إذا عثروا.. بل نتعاون على بلوغ الحق قدر ما نفهم ونطيق، والله حسبنا. أما الخلاف الذي نبغض، ونعوذ بالله من شروره، ونهيب بكل تقي أن يطفئ ناره، فهو الخلاف الذي يخالطه الهوى، وتصحبه الشهوات، وينفخ فيه الشيطان.

    وانتهى بإضاعة الصلاة، فقال: إننا لو وصلنا الليل بالنهار دأبًا، ثم حرمنا عناية السماء، فلن نحصد من تعبنا إلا البوار. ولنعلم أن إضاعة الصلاة، وإتباع الشهوات، أمارة على انحطاط الأمة وسوء مصيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقظة فكر

التداول على السُلطة التنفيذية

إلى الشعوب التي حطّمت أغلال عبودية البشر، وقدّمت قوافل الشهداء، ودفعت الثمن غالياً من دماء أبنائها وابتُليت بالجوع والخوف والفزع، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله وما ضعفت وما استكانت للوصول إلى حريتها وكرامتها وتحقيق العدالة والشورى بين أبنائها ولسان حال مواطنيها قول الشاعر:

الأسباب الموجبة لمحبة الله كما عدّها ابن القيم

وسط هذا الجو المزدحم والزاخر بالماديات، والتثاقل إلى الأرض وطينها.. يحتاج المسلم إلى السمو والرفرفة في عالم الروح؛ حتى تكون حياته متوازنة، فلا يربو جانب على آخر، فهو يبتغي بين هذا الطريق وذاك سبيلاً.. هو السبيل الذي أراده الله لعباده. ومن ثم يأتي كتاب الدكتور عبد العزيز مصطفى

قوة الفكر

الفكرة قد تكون بسيطة وقد تبدو ضعيفة ولكنها في الحقيقة أعمق و أقوى مما تتخيل .2- بالفكر يستطيع الإنسان أن يجعل عالمه من الورود أو من الشوك .3- كل إنسان يرسم في داخله صورة عن نفسه في جميع أركان حياته , فالصورة التي ترسمها في داخلك من أهم أسباب النجاح أو الفشل .4- الثقة هي القوة الذ