التربية السياسية عند الإمام حسن البنا

التاريخ: الثلاثاء 28 اكتوبر 2008 الساعة 12:00:00 صباحاً
التربية السياسية عند الإمام حسن البنا

trbwah-hasan-ktdawy.gif 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الناشر

 

استطاع الإمام حسن البنا عبر سعيه الحثيث وجهده الدءوب أن يؤسس لعملٍ إسلامي ألقى بظلاله وتأثيراته على كل الفضائيات، وأضحى من البروز بمكانٍ بحيث يصعب نُكرانه أو تجاهله حتى من قِبل أولئك الذين يقفون في الاتجاه المعاكس من المشروع الإسلامي، وأراد الإمام البنا للمشروع الإسلامي أن يتسم بكل الصفات التي تجعلُهُ قادرًا على الوفاء بالاحتياجات المعاصرة وتلبية طموحاتِ وتطلعاتِ أبناء الأمة، ومتمكنًا من الصمود في وجه التحديات والاستحقاقات.

 

ومن أخصِّ الصفاتِ التي حرص الإمام البنا على أن تكون وثيقةَ الصلةِ بالمشروع الإسلامي التسامح والتصالح والرحابة والاستيعاب.

 

كما كان الإمام البنا في أفكاره ومسلكياته شديدَ النفور وفائق الحساسية إزاء كلِّ دواعي التصلب والتشنج، ولَكَمْ كان حريصًا على أن ينأى التيارُ الإسلامي بنفسه عن أجواء التشاحنات والتجاذبات، وأن يكون الحوارُ سبيلاً لتسويةِ كل اختلاف.

ومن خلال معاينة الآثار التي خلفها الأستاذ البنا، ومن واقع الاطلاع على شهاداتِ مَن عاصروه يُمكن التعرف على الكثيرِ من الصفات التي تُميز شخصية الإمام البنا، وفي صدارتها الإحساس العارم بالمسئولية؛ تلك الصفة التي انعكست على تجلياته الحياتية فحوَّلته إلى طاقةٍ هائلةٍ وحركةٍ دائبةٍ تحمل على عاتقها واجبات ومسئوليات تمتد دوائرها في الاتساع لتشمل العالم الإسلامي بأسره بل والعالم أجمع.

وبهذه الروحية لهذا الرجل الذي لم يكن يهدأ له خاطر ولا جارحة أمكنَ للأستاذ البنا أن يُسديَ الكثيرَ من العطاء لقضايا الأمة وإشكالياتها.

لقد مثَّلَ الإمام البنا حلقةً إضافيةً في سلسلةِ المجددين، وإذا كان التصور الذي يعتقده الكثيرون يقوم على أن القول بشمولية الفكرة الإسلامية وتكامل أبعادها ومحاولة ترسيخ هذه الأطروحة في الواقع الحياتي هو ملمح التجديد الرئيس لدى الإمام البنا، فإن البعض يرى أن ثمةَ مجالاتٍ أخرى في المنحى التجديدي شكَّلت فرادةً وجِدَّة امتازت بها أفكار الإمام البنا؛ حيث ولج الإمام مسالكَ ودروبًا، وخاض في مسائل وإشكاليات اتسمت طروحاته فيها بالنفاذ والتجديد؛ ففي قضايا الإصلاح والتغيير، وفي مسائل الحرية والديمقراطية، وفي إشكاليات بناء الجماعة الوطنية والعلاقة مع الآخر بكل صنوفه، في كل هذه المدارات قدَّم الإمام البنا رؤى تجديدية ما زال النفس التجديدي بها حارًّا، وما زالت هذه الأفكار غضةً طريةً لم تيبس بعد.

وما زالت فكريات الإمام البنا ووهج آثاره قادرةً على تقديم الحلول، خاصةً أن الكثيرَ من آراء الإمام البنا وأفكاره في هذا الجانب لم تأخذ ما تستأهله من التدقيق والتمحيص.

ويسعد (مركز الإعلام العربي) أن يُقدِّم للقارئ الكريم تلك الدراسة التي قدَّمها الدكتور يوسف القرضاوي، والتي سعى فيها إلى تكثيف الإضاءةِ حول المشروع الإصلاحي للإمام البنا، وسبر غور أفكاره التي انتصبت لمواجهةِ التحديات والإجابة عن تساؤلاتِ لا تزال تمسك بخناقِ واقعنا.

ونرجو أن تكون هذه الدراسة خطوةً على طريق الإصلاح، وأن تُضيف جديدًا إلى المكتبة العربية الإسلامية.

 

مقدمة المؤلف

 

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه.

وبعد..

طلب مني مركز الإعلام العربي للدراسات المشاركة كتابةً لعقد مؤتمر بمناسبة مرور مائة عام على مولد الإمام البنا الشهيد حسن البنا، وأن تكون مشاركتي عن (التربية السياسية عند حسن البنا).

 

وقد كنت كتبت رسالةً عن (التربية الإسلامية في مدرسة الإمام حسن البنا) بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على استشهاده وخمسين عامًا على تأسيس جماعة الإخوان؛ تحدثت فيها عن معالم هذه التربية وخصائصها وجوانبها المختلفة، وكان منها الجانب السياسي.

 

 

 

فسطَّرت هذه الصحائف التي أكتبها اليوم تكملةً لتلك الرسالة بتعميق الحديث وتأصيله وتفصيله عن الجانب السياسي في تربية الإمام البنا.

ومنهجي في هذه الدراسة يقوم على جملة عناصر:

1- التعرف على أقوال الإمام الشهيد من مجموع رسائله، وهي منشورة مجتمعة والحمد لله وإن كان فيها كثير من الأخطاء المطبعية من قديم، وهي سجل حافل لآراء الإمام؛ لأنها نشرت مرارًا وتكرارًا في حياته، وأراد بها تبليغ دعوته وتوصيل فكرته للناس عمومًا وللإخوان خصوصًا.

كما أنها انتشرت بين الإخوان، وكاد يحفظها الكثير منهم، ولا غرو أن يكون لها أثرها في توجيه فكرهم وسلوكهم، كما استفدنا مما كتبه الإمام الشهيد خارج هذه الرسائل مما نُشر في المجلات والصحف الإخوانية وغير الإخوانية، وقد حاول بعض الإخوان المهتمين أن يجمعه من مظانِّه وينشره كما فعل الأستاذ جمعة أمين بالإسكندرية، وإن كان الأساس هو الرسائل.

2- المقارنة بين أقوال الإمام بعضها ببعض ما بين رسالةٍ وأخرى لمعرفة ما إذا كان بين بعضها وبعض شيء من التعارض أو التباين في النظر والاجتهاد نتيجة تغير الظروف أو تغير الفكر وتجدد المعلومات أو غير ذلك، وكذلك المقارنة بين آراء الأستاذ وآراء غيره من المجدِّدين والمصلحين إذا اقتضى الأمر.

3- النقد العلمي الموضوعي الهادئ لما أراه يحتاج إلى نقد من آراء الأستاذ؛ فليس في العلم كبير، وقد علمنا الإمام البنا نفسه في أصوله العشرين أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا المعصوم (1)، ورغم حبي الكبير وتقديري العظيم للأستاذ لا أرى عيبًا أن يُنتقَد؛ فهو ابن زمنه وبيئته؛ يتأثر ويؤثر، وحسبه أنه تحرَّى واجتهد؛ فإن أصاب فله أجران وإن أخطا فله أجر، و"الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (رواه البخاري ومسلم).

أرجو أن يجد القارئ الكريم في هذه الرسالة ما يضيء العقل بالمعرفة وينير القلب بالإيمان ويوضح المفاهيم الملتبسة على كثير من الناس، ويدفع بالعزائم إلى مزيد من العمل الصالح والعطاء البنَّاء لخير الفرد والجماعة والأمة.

 

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الفقير إلى عفو ربه..

أ. د. يوسف القرضاوي

 

التربية السياسية عند الإمام حسن البنا

 

كان الإمام حسن البنا- رحمة الله عليه- رجلاً متعدد المواهب والقدرات؛ فهو عالم وداعية، ومصلح ومجدد، وقائد وزعيم، وهو كذلك مربٍّ من الطراز الأول.

 

كان مربيًا بحكم الموهية وبحكم الدراسة وبحكم الممارسة، وكانت لدية كل الأدوات التي يفتقر إليها المربِّي الناجح؛ من البصيرة النيرة والقلب الكبير، والعقل المنفتح واللسان الفصيح، والوجه البشوش والفراسة النادرة، إلى جوار العلم الواسع والخبرة الفنية والاجتماعية.

فلا غرو أن نراه يؤثر بسرعةٍ في كل من صحبه وعايشه، بل في كل من لقيه لقاءً عابرًا، فتراه يذكر له كلمة معبرةً أو موقفًا مؤثرًا أو حكاية لها دلالة أو نحو ذلك مما يعرفه الكثيرون عنه.

وقد صدق قول الشيخ رحمه الله: "علامة الرجل الصالح أن يترك في كل مكان يحل فيه أثرًا صالحًا"، وهكذا كان.

 

وكانت التربية في نظر الإمام البنا تتسم بخصيصتين أساسيتين:

أولاهما: التكامل.

وثانيتهما: التوازن.

ومعنى التكامل أنها تربية شاملة لا تقتصر على جانب دون جانب؛ فهي تتناول الروح والجسم والعقل والعاطفة والضمير والوجدان، وتعمل على تكوين الشخصية المسلمة تكوينًا متكاملاً روحيًّا بالعبادة، وبدنيًّا بالرياضة، وعقليًّا بالثقافة، وخلقيًّا بالفضيلة، واجتماعيًّا بالمشاركة في خدمة المجتمع، وسياسيًّا بالتوعية بقضايا الوطن والأمة، وهكذا لا تقتصر التربية على جانب دون آخر.

ومعنى التوازن أنها تعطي كل جانب من الجوانب حقَّه بلا طغيان ولا إخسار بحيث لا يطغى على غيره من الجوانب ولا يحرمه حقَّه لحساب غيره، بل يقول لكل من تجاوز حدَّه: قف عند حدك والزم صراطك المستقيم.

ولا غرو أن كان من أهم أنواع التربية التي عُني بها الأستاذ البنا: التربية السياسية التي كانت مغيَّبةً عند كثيرٍ من المتدينين والجمعيات الدينية العاملة في مصر في ذلك الوقت.

 

 الجانب السياسي

 

أجل.. كان من الجوانب المهمة التي عُني بها الإمام الشهيد حسن البنا الجانب السياسي، ونعني بهذا الجانب ما يتصل بشئون الحكم ونظام الدولة، والعلاقة بين الحكومة والشعب، والعلاقة بين الدولة وغيرها من الدول إسلامية وغير إسلامية، والعلاقة بالمستعمر الغاصب والموقف من الأحزاب والحزبية، ومن الدستور والقانون، والشورى والديمقراطية، وغير ذلك من القضايا المتعددة المتنوعة.

وقد كان هذا الجانب قبل دعوة حسن البنا وقيام مدرسته بعيدًا عن اهتمام الجماعات إسلامية- وبتعبير أصح الجماعات الدينية في مصر- وخارج نطاق نشاطها وتفكيرها؛ فقد أصبح مفهوم السياسة مقابلاً لمفهوم الدين كما يقابل الأسود الأبيض؛ فلا يتصور اجتماعهما في شخص أو في جماعة، والناس رجلان إما رجل دين وإما رجل سياسة، والجماعات نوعان: إما دينية وإما سياسية.

وحرام على رجل الدِّين أن يشتغل بالسياسة، كما يَحْرُم على رجل السياسة أن يشتغل بالدِّين، ومثل ذلك تَدَخُّل الجماعة الدينية في الشئون السياسية، أو رجال السياسة في شئون الدِّين.

وقد يتجاوز ويتسامح في تدخل رجل السياسة أو الجماعة السياسية في الدِّين، أما الذنب الذي لا يُغتفر ولا يُتسامح فيه عند الناس يومئذٍ فهو أن يتدخل رجل الدِّين أو الجماعة الدِّينية في القضايا السياسية!.

وعلى هذا الأساس قامت في مصر كما في غيرها جماعات دينية الطابع كالطرق الصوفية والجماعات الدينية المختلفة التي تنصُّ في صلبِ لوائحها وأنظمتها الأساسية أنها لا صلةَ لها بالسياسة.

 

وتقابلها تجمعات أخرى لا شأنَ لها بالدين، وهي التي أُطلق عليها اسم الأحزاب مثل الحزب الوطني أو حزب الأمة أو حزب الوفد وما انشقَّ عنه، وحزب الدستور وغيرها، فهذه الأحزاب تشترك كلها في طابعها (المدني) أو (العلماني) ففكرها النظري وسلوكها التطبيقي قائمان على أساس عزل الدين عن الدولة وفصل الدولة عن الدين، وإن كان بعضها أقرب إلى الاعتدال من بعضٍ بحسب رؤى زعمائها، فالحزب الوطني كانت له نزعة إسلامية تمثَّلت في مؤسسه مصطفى كامل وخلفائه.

 

كما تؤمن هذه الأحزاب كلها بالوطنية الإقليمية الضيقة التي رأينا كثيرًا منها قامت تُحيي نزعات جاهلية قديمة كالفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا، والآشورية في العراق، ومن لم يؤمن منها بالنزعة الوطنية آمن بالنزعة القومية مثل القومية الطورانية في تركيا والقومية العربية في بلاد العرب والقومية السورية في سوريا الكبرى.

 

كان على (حسن البنا) أن يخوض معركةً حامية الوطيس لمطاردة المفاهيم الخاطئة عن العلاقات بين الدين والسياسة، تلك المفاهيم التي غرسها الجهل والهوى وتعهدها الاستعمار الثقافي بالسقي والرعاية حتى تغلغلت جذورها وامتدت فروعها.

 

وكان لا بد من محاربة الفكرة الخاطئة بالفكرة الصحيحة، وهي (شمول الإسلام) لكل جوانب الحياة، ومنها السياسة، كما دلَّ على ذلك القرآن والحديث وهدي الرسول- صلى الله عليه وسلم- وسيرة الصحابة، وعمل الأمة كلها طوال ثلاثة عشر قرنًا أو تزيد، وحسبنا هنا أن القرآن يُحذِّر من إهمال بعض ما أنزل الله تعالى فيقول: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: من الآية 49) كما قرَّع القرآن بني إسرائيل على تجزئتهم لكتابهم وأخذ بعضه دون بعض فقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: من الآية 85).

 

وللإمام الشهيد في ذلك كلمات تكاد تكون محفوظة لدى جمهور الإخوان من ذلك قوله في إحدى رسائله: "إذا قيل إلام تدعون؟ فقولوا: نحن ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزءٌ منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم هذه سياسة فقولوا هذا هو الإسلام، نحن لا نعرف هذه الأقسام" (2).

 

وقال رحمه الله يرد على مَن يقول إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون ودعوتهم دعوة سياسية:

 

"يا قومنا.. إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان مَن يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس- والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات" (3).

 

 

دعائم التربية السياسية لدى البنا

1- الربط بين الإسلام والسياسة (أو الدين والدولة):

 

جاهد الأستاذ حسن البنا جهادًا كبيرًا ليعلِّم المسلمين فكرة شمول الإسلام، وبعبارة أخرى: ليُعيد إليهم ما كان مقررًا وثابتًا طوال ثلاثة عشر قرنًا، أي قبل دخول الاستعمار والغزو الفكري ديارهم، وهو أن الإسلام يشمل الحياة كلها بتشريعه وتوجيهه: رأسيًّا منذ أن يولد الإنسان حتى يتوفاه الله، بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته.

وأفقيًّا حيث يوجِّه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم وعلاقات السلم والحرب.

وكانت نتيجة هذا الجهاد واضحة، وهي وجود قاعدة ضخمة تؤمن بهذا الشمول وتنادي بالإسلام عقيدةً وشريعةً ودينًا ودولةً في كل أقطار الإسلام، وتراجُع كثيرين من ضحايا الغزو الفكري عما آمنوا به في ظلِّ وطأة الاستعمار الثقافي وبروز الصحوة الإسلامية على الساحة الفكرية والسياسية بصورة قلبت موازين القُوى؛ مما جعل الجهات الأجنبية الراصدة من الغرب والشرق تعقد الكثير من الحلقات والندوات والمؤتمرات لدراسة هذه الظاهرة الإسلامية الخطيرة، وتنفق في ذلك الأموال والجهود حتى بلغ عدد هذه المنتديات فيما ذكر الأستاذ فهمي هويدي مائة وعشرين.

وهذا ما جعل عملاء الغرب وعبيد أفكارهم يحاولون إيقاف الفجر أن يطلع أو الشمس أن تبزغ، وأن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء إلى عهد الاستعمار ليتصايحوا من جديد: لا سياسة في الدِّين ولا دين في السياسة!.

 

يريدون أن يعيدوها جذعة وقد فرغنا منها منذ أكثر من نصف قرن حتى سمى بعض هؤلاء العبيد المساكين الإسلام الذي لم يعرف المسلمون غيره طوال عصوره قبل عصر الاستعمار الإسلام كما عرفه الفقهاء والأصوليون والمفسدون والمحدثون والمتكلمون من كل المذاهب، والذي شرحوه وفصلوه من كتاب الطهارة إلى كتاب الجهاد، إسلام العقيدة والشريعة، إسلام القرآن والسنة.. سماه (الإسلام السياسي) (4) يريد أن يكرِّه الناس في هذا الإسلام بهذا العنوان؛ نظرًا لكراهية الناس للسياسة في أوطاننا وما جرَّت عليهم من كوارث وما ذاقوا على يديها من ويلات!.

ولكن ما حيلتنا إذا كان الإسلام- كما شرعه الله- لا بد أن يكون سياسيًّا؟! ما حيلتنا إذا كان الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا يقبل أن تقسم الحياة والإنسان بين الله تعالي وقيصر بل يصر على أن يكون قيصر وكسرى وفرعون وكل ملوك الأرض عبادًا الله وحده؟!

 

يريدنا بعض هؤلاء المساكين أن نتخلى عن كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع أمتنا وهدي تراثنا لنتبنَّى إسلامًا حديثًا يُرضي عنا السادة الكبار فيما وراء البحار.

 

إنه يريد (الإسلام الروحي) أو (الإسلام الكهنوتي) الذي يكتفي بتلاوة القرآن على الأموات لا على الأحياء، ويتبرك بتزيين الجدران بآياته أو افتتاح الحفلات بقراءة ما تيسر منه ثم يدع قيصر يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد!

 

إن إسلام الذي جاء به القرآن والسنة وعرفته الأمة سلفًا وخلفًا هو إسلام متكامل لا يقبل التجزئة.

 

إنه الإسلام الروحي والإسلام الأخلاقي والإسلام الفكري والإسلام التربوي والإسلام الجهادي والإسلام الاجتماعي والإسلام الاقتصادي والإسلام السياسي.

 

إنه ذلك كله؛ لأن له في كل هذه المجالات أهدافًا وغايات كما أن له فيها كلها أحكامًا وتوجيهات.

 

يقول الإمام البنا في علاقة الدين بالسياسة: (قلما تجد إنسانا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب؛ فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سُمِّيت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها لا تتعرض الجمعية للشئون السياسية).

 

وقبل أن أعرض إلى هذه النظر بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إليىأمرين مهمين:

أولهما: أن الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة، وقد يجتمعان وقد يفترقان؛ فقد يكون الرجل سياسيًّا بكل ما في الكلمة من معانٍ وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه، وقد يكون حزبيًّا ولا يدري من أمر السياسة شيئًا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيًّا حزبيًّا أو حزبيًّا سياسيًّا على حدٍّ سواء، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة، وهي النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة بالحزبية بحال... هذا أمر.

 

والثاني: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام وحينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال لم يحاولوا أن يخرجوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره ولا شكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواحٍ قوية عملية وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشور من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع، فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء والاجتماع شيء آخر، وأن الإسلام شيء والقانون شيء، غيره وأن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيدًا عن السياسة.

 

فحدثوني بربكم أيها الإخوان.. إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة وغير الاجتماع وغير الاقتصاد وغير الثقافة، فما هو إذن؟...أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟! أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية: استغفار يحتاج استغفار؟! ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89)؟!

هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام وهذه الحدود الضيقة التي حُدد بها معنى الإسلام هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم: لقد تركنا لكم حرية الدين وإن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.

أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة أن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء (5) من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالَب بحكم إسلامه أن يُعنى بكل شئون آمته، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

 

وأعتقد أن أسلافنا- رضوان الله عليهم- ما فهموا للإسلام معنى غير هذا؛ فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شئون الحياة الدنيا العملية قبل شئون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: "لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله" (ذكره السيوطي في الإتقان، 2/ 223) (6).

بهذا الشمول الواضح أو الوضوح الشامل عن الإسلام كان يتحدث حسن البنا ليزيل من العقول ما رسب فيها من انحصار الإسلام في طقوس معينة، ويربيهم على هذا الأفق الواسع الذي تقوم عليه الشخصية الإسلامية المنشودة.

 

2- إيقاظ الوعي بوجوب تحرير الوطن الإسلامي:

 

الدعامة الثانية من دعائم التربية السياسية عند الإمام البنا هي:

تقوية الوعي والشعور بوجوب تحرير الأرض الإسلامية أو أرض الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وإجلاء المستعمر الغاصب عن ديار الإسلام كلها بكل وسيلة مشروعة؛ ابتداءً بالوطن الصغير وادي النيل شماله وجنوبه- مصر والسودان- فالوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، وأشهد أن هذا التحديد للوطن العربي كان أول ما سمعته من الإمام البنا رضي الله عنه.

فالوطن الإسلامي الأكبر من المحيط إلى المحيط، من الهادي إلى الأطلسي، من إندونيسيا وما جاورها شرقًا إلى مراكش غربًا.

وبهذا الفهم اتسع أفق (الأخ المسلم) ليسع الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها فضلاً عن الأمة العربية؛ فلم يحبس نفسه في قمقم الوطنية الضيقة أو القومية المتعصبة شأن الأحزاب السياسية السائدة في تلك الأيام.

ومن هنا اهتم الإخوان في مصر بقضية بلدهم الذي يعيشون فيه، ومطالبه الوطنية التي تمثلت في جلاء الإنجليز عن مصره وسودانه ووحدة وادي النيل، وعقد الإخوان لذلك مؤتمرات كبرى في كافة محافظات مصر ومدنها الكبيرة لتوعية أبناء الشعب بمطالبه، وأعلن هنا أني لم أفهم هذه المطالب حق الفهم إلا من لسان حسن البنا حين وقف في مؤتمر طنطا يشرحها ويردها إلى أصولها.

 

 

 

وكان الإمام الشهيد في هذه المؤتمرات يوضح الأهداف ويوضح معها الوسائل الواجب اتخاذها؛ من المطالبة لدى الهيئات الدولية وكسب الرأي العام العالمي، إلى المقاطعة الاقتصادية لسلع المستعمر ومنتجاته، إلى التعبئة وإعلان الجهاد المقدس؛ فإما أن نعيش سعداء أحرارًا أو نموت شهداء أبرارًا.

 

ولا زلت أذكر المرشد الشهيد وهو يتحدث في هذا المؤتمر عن سلاح المقاطعة وأثره الفعال وقدرة الشعب المصري على استخدام هذا السلاح، وأنه شعب قنوع صبور قادر في ساعة الجد أن يقنع بالقليل ويرضى باليسير، ذاكرًا في ذلك من الأمثال الشعبية ما يؤيد هذه الوجهة، ومستشهدًا ببعض الوقائع التاريخية القريبة لدى بعض الشعوب الإسلامية.

ومما قال يومئذ: (سنخرج للشعب فتاوى ابن حزم المخبوءة في بطون الكتب من أن العدو المشرك نجس كله لا يجوز مسه ولا التعامل معه ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (التوبة: من الآية 28).

 

وزاد حسن البنا على ذلك فطالب الإخوان خاصة والمسلمين عامة في وادي النيل بأن يقنتوا في الركعة الأخيرة من كل صلاة، وبخاصة الصلوات الجهرية وبعد القيام من الركوع (قنوت النوازل) بأن يدعوا الله عندما تشتد الأزمات عليهم أن يفرِّج الله عنهم الكربة ويكشف الغمة؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يدعو في صلواته على المشركين المعتدين وللمسلمين المستضعفين، كتب ذلك حسن البنا في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية تحت عنوان (قنوت)، واستشهد بالأحاديث التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقنت في صلواته داعيًا للمستضعفين من المؤمنين ردًّا على المشركين الذين اعتدوا على المسلمين.

 

ومن هذه الأحاديث استدل جمهور الفقهاء والمحدثين على مشروعية القنوت في الكوارث أو النوازل التي تنزل بالأمة.

 

ثم قال: (وإذا كان ذلك كذلك، فقد أصبح مطلوبًا من أئمة المسلمين وعامتهم في شعب وادي النيل، أن يلجئوا إلى الله ليرفع عنهم هذا لبلاء، وأن يقنتوا في كل الصلوات بعد الركوع في الركعة الأخيرة، ويلحُّوا على الله في الدعاء بهذا القنوت أو نحوه: اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين.. تقبل دعاءنا، وأجب نداءنا، وأنلنا حقنا، ورد علينا حريتنا واستقلالنا، اللهم إن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين قد احتلوا أرضنا، وجحدوا حقنا، وطغَوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم فرد عنا كيدهم، وفُلَّ حدهم، وفرق جمعهم، وخذهم ومن ناصرهم أو أعانهم، أو هادنهم أو وادَّهم أخذ عزيز مقتدر، الله واجعل الدائرة عليهم، وسُق الوبال إليهم، وأذلَّ دولتهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، ولا تدع لهم سبيلاً على أحد من المؤمنين، آمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا) (7).

وليس هناك أزمة أشد من فقد الحرية والاستقلال، وتحكُّم الكافر في رقبة المسلم، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: من الآية 141).

وبهذا لم تعد القضية الوطنية شيئًا في حاشية شعور الأخ المسلم، أو على هامش حياته، بل إنها حاضرة في وعيه وحسه؛ تصاحبه في بيته ومسجده، وخلوته وجلوته، وتحيا في أعماق كيانه واضحة حية ملتهبة.

 

ولهذا لم يكن الإنجليز يخافون شيئًا كما يخافون من هؤلاء (المتعصبين) لدينهم، ويخشون أن يتحوَّل الشعور الوطني إلى شعور إسلامي متأجِّج لا يعبأ بشيء في سبيل غايته، ولا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.

 

ولا ريب أن تكون هذه المواقف العقائدية الإيجابية للحركة الإسلامية ومؤسسها وراء مؤامرات الكيد لها من القوى الأجنبية المعادية والمتربصة والراصدة للإسلام وحركة شعوبه، وأن يكون لهذا الكيد أثره عند الحكومات الوطنية العلمانية والمستخزية، كما أثبت ذلك اجتماع سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا في قاعدة (فايد) العسكرية بمنطقة (القناة) سنة 1948م الذي طالب حكومة النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي المصري ورئيس الوزراء بحل جماعة الإخوان المسلمين، وسوق أعضائها إلى السجون والمعتقلات، وكان ما كان.

 

كانت هذه بعض ملامح من تربية الإخوان فيما يتعلق بوطنهم الصغير (وادي النيل)، ولم يشغلهم ذلك عن الاهتمام بقضايا وطنهم العربي الكبير، ووطنهم الإسلامي الأكبر، وأولى هذه القضايا بغير شك كانت قضية أرض النبوات، ومهد الرسالات، أرض أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين: قضية فلسطين، عُني بها الإخوان في وقت مبكر، ونوَّهوا بشأنها ونبهوا على خطرها، وأصدروا من أجلها بيانات ونشرات، وأعدادًا خاصة من مجلتهم، وعقدوا الندوات والمؤتمرات في سبيلها، وطالما انتهزوا فرصة ذكرى (وعد بلفور) في الثاني من نوفمبر من كل عام لإخراج المسيرات، وتسيير المظاهرات؛ توعيةً للرأي العام، وإيقاظًا للشعور بأهمية القضية، ومن قرأ مجلات الإخوان القديمة (في الثلاثينيات) رأى من ذلك العجب العجاب.

 

كما كانت ذكرى الإسراء والمعراج في كل عام فرصة للتذكير بقضية المسجد الأقصى، منتهى الإسراء، ومبتدأ المعراج، وهكذا يجد حسن البنا المناسبات دائمًا فرصةً لإحياء الوعي بقضية فلسطين.

 

ومن هنا، كانت الرؤية واضحة لدى كل أخ مسلم بقضية فلسطين، وكان إحساسه بها حيًّا دافقًا، في الوقت الذي كان جمهور الناس في مصر لا يشعرون بأهمية هذه القضية، ولا بخطر اليهودية الطامعة المتوثبة بجوارهم، حتى قال رئيس حكومة مصرية يومًا، وقد سئل عن رأيه في ذلك: "أنا رئيس وزراء مصر لا رئيس وزراء فلسطين" (8).

 

وكانت خطب الإمام الشهيد ومحاضراته عن فلسطين ومقالاته النارية في مجلات الإخوان وصحيفتهم اليومية، مثل: صناعة الموت.. وفن الموت.. وهُبِّي يا رياح الجنة.. وأحاديثه المؤثرة في لقاءاته الخاصة مع إخوانه وتلاميذه.. كلها تهيئ الأنفس ليوم آتٍ لا ريب فيه، فلما جاء هذا اليوم، ونادى المنادي أن حي على الجهاد، آتت هذه التربية والتوعية أكلها، وتجلت آثارها في إقبال الألوف من شباب الإخوان- بل من شيوخهم أحيانًا- على مكاتب التطوع للجهاد في سبيل الأرض المقدسة، وكانت معارك الجهاد والبطولة والاستشهاد في سبيل الله، مما يعرفه اليهود أنفسهم أكثر من غيرهم.

 

ولم يَنْسَ الإخوان قضايا سوريا ولبنان في المشرق العربي، ولا قضايا الشمال الإفريقي أو المغرب العربي، تونس والجزائر ومراكش، وقد كان المركز العام للإخوان بمثابة (دار العائلة) لزعماء هذه البلاد، وقادة التحرير فيها.

وقل مثل ذلك بالنسبة لقضايا التحرير في البلاد الإسلامية كلها، مثل إندونيسيا وغيرها؛ فقد كان الإخوان يعتبرونها قضاياهم، ويحيون فيها فكرًا وشعورًا وعملاً، وإن بَعُدت عن أبدانهم الدار، وشط المزار.

 

3- إيقاظ الوعي بوجوب إقامة الحكم الإسلامي (الدولة الإسلامية):

 

الدعامة الثالثة: إيقاظ الوعي والشعور بفرضية إقامة (الحكم الإسلامي)؛ إذ هو الغاية من تحرير الوطن؛ ذلك أن طرد المستعمر وتحرير الوطن من نيره واستعباده، ليس هدفًا في ذاته، إنما هو وسيلة لتحقيق هدف كبير، هو أن تحقق الأمة ذاتها، وتعيش بعقيدتها ولعقيدتها، وتدبر أمر وطنها وفق عقائدها وقيمها وفلسفتها الخاصة.

وبلادنا الإسلامية لا تحقق ذاتها، بل لا تتحرر حق التحرر، إلا إذا تخلصت من كل آثار الاستعمار الثقافي والتشريعي والتعليمي والسياسي وغيرها.

 

ومن هنا كانت إقامة الحكم الإسلامي في ذلك الوقت فريضةً وضرورةً؛ فهو فريضة شرعية، وضرورة قومية وإنسانية.

أما أنه فريضة، فقد أوجب الله على الحكام والمحكومين أن يرجعوا إلى حكمه وحكم رسوله في كل شئونهم، ولم يجعل لهم في ذلك خيارًا بموجب عقد الإيمان في صدورهم.

 

فأما الحكام فحسبنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: من الآية 45)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: من الآية 47).

 

وأما المحكومون فحسبنا قوله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

 

وحسب الجميع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 36)، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51).

 

 

وأما أنه ضرورة قومية وإنسانية، فلأن أمتنا خاصة، والبشرية عامة، جربت الفلسفات البشرية، والأنظمة الوضعية، فلم تَجْنِ من ورائها السعادة التي ترجوها، والحياة الطيبة التي تنشدها، بل فقدت كل معنى جميل تسعى إليه، وتحرص عليه؛ فقد الفرد سكينةَ نفسه، وفقدت الأسرة استقرارها وترابطها، وفقد المجتمع تماسكه وتوازنه، وفقد العالم كله أمنه وسلامه، ولا بد للبشرية من طبٍّ جديد يعالج أدواءها دون أن يجلب عليها أمراضًا جديدة.

 

إذا استشفيت من داء بداء              فاقتل ما أعلَّك ما شفاك!

 

وليس هذا الطب الجديد إلا الإسلام الذي جمع الله فيه بين مصالح الدنيا والآخرة.. بين مطالب الجسم وتطلعات الروح.. بين حظ النفس وحق الله تعالى، بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة، ولا غرو فهو عدل الله لعباده، وشرعة الخالق لإصلاح خلقه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك).

 

وقد أكد حسن البنا هذا المعنى الأساسي في كل رسائله ومقالاته ومحاضراته: المطالبة بحكم القرآن وإقامة دولة الإسلام، محاربًا بذلك الفكرة العلمانية الخبيثة الدخيلة، التي تنادي بفصل الدين عن الدولة في الحكم والتشريع والقضاء والتعليم والإعلام والثقافة وغيرها، فلئن جاز هذا في عرف النصرانية التي يقول إنجيلها: (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)! فلا يجوز ذلك أبدًا في عُرف الإسلام الذي لا يقبل قسمة الحياة، ولا قسمة الإنسان بحالٍ من الأحوال، بل يعتبر قيصرًا وما لقيصر والحياة كلها، والإنسان كله، لله الواحد القهار.

 

يقول الإمام الشهيد في رسالته (إلى الشباب): (نريد الحكومة المسلمة التي تقود الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبي بكر وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأي نظامٍ حكومة لا يرتكز على أساس الإسلام، ولا يُستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها.. وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام (9).

 

وفي (رسالة المؤتمر الخامس) يعرض لهذه النقطة بمزيدٍ من الإيضاح والبيان فيُجيب عن تساؤلاتِ الناس عن موقف الإخوان من الحكم، فيقول: (ويتساءل فريقٌ آخر من الناس: هل في منهاجِ الإخوان المسلمين أن يُكوِّنوا حكومة، وأن يُطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم في ذلك؟ ولا أدع هؤلاء المتسائلين أيضًا في حيرة، ولا نبخل عليهم بالجواب، فالإخوان المسلمون يسيرون في جميعِ خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة، وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث- رضي الله عنه-: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (البداية والنهاية 2/10)، وقد جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- الحكم عروة من عرى الإسلام (10).

 

 

 

والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريعٌ وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرر الأحكام، ويرتل التعاليم، ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يُشرعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية، أن صوت هذا المصلح سيكون صرخةً في وادٍ ونفخة في رماد، كما يقولون.

 

قد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برُتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاءً لأوامر الله، وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالاً لآياته وأحاديث نبيه- صلى الله عليه وسلم- أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد، والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يُكفِّرها إلا النهوض، واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف، هذا كلام واضح لم نأتِ به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف، وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة مَن يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاجٍ إسلامي قرآني، فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي حكومةٍ لا تُنفِّذ أوامر الله.

 

 

 

وعلى هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم، ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تُنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يُؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

 

وكلمة لا بد أن نقولها في هذا الموقف، هي: أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومةٍ من الحكوماتِ التي عاصروها- لا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة ولا غيرهما من الحكومات الحزبية- مَن ينهض بهذا العبء، أو من يُبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية فلتعلم الأمة ذلك، ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية، وليعمل الإخوان المسلمون.

وكلمة ثانية: إنه ليس أعمق في الخطأ من ظن بعض الناس أن الإخوان كانوا في أي عهدٍ من عهود دعوتهم مطية لحكومةٍ من الحكومات، أو منفذين لغايةٍ غير غايتهم، أو عاملين على منهاجٍ غير منهاجهم، فليعلم ذلك مَن لم يكن يعلمه من الإخوان، ومن غير الإخوان) (11).

 

وفي رسالة التعاليم: شرح مجالات (العمل) الذي هو أحد أركان الدعوة أو (البيعة) فذكر أن المجال الخامس هو:

 

(إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادمٍ للأمة، وأجبر عندها، وعامل على مصلحتها والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين، مؤدين لفرائض الإسلام، غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذةً لأحكام الإسلام وتعاليمه.

 

ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة، ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع ما دام موافقًا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي.

ومن صفاتها: الشعور بالتبعة، والشفقة على الرعية، والعدالة بين الناس، والعفة عن المال العام، والاقتصاد فيه.

ومن واجباتها: صيانة الأمن، وإنفاذ القانون، ونشر التعليم وإعداد القوة، وحفظ الصحة، ورعاية المنافع العامة، وتنمية الثروة، وحراسة المال، وتقوية الأخلاق، ونشر الدعوة.

ومن حقها- متى أدَّت واجبها: الولاء والطاعة، والمساعدة بالنفس والأموال.

فإذا قصَّرت: فالنصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (12).

 

موقف الإخوان من استخدام القوة

 

ولا ينسى حسن البنا- رحمه الله- في رسالته هذه الجامعة إلى المؤتمر الخامس للإخوان: أن يبين بصراحة موقف الحركة من استخدام القوة العسكرية، أو اللجوء إلى الثورة الشعبية العامة، فيقول:

 

(ويتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم، والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء فليسمع من يشاء:

 

أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف" (13)، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه، ويناجي ربه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال" (14)، ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف- ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدَّين والقهر- فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء؟!

 

 

 

فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة، ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويَهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصون إلى أعماقها، ولا يَزِنون نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها؛ فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعد ذلك قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لديها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح، وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.. هذه نظرة.

 

ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام- والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال، أم حدد لذلك حدودًا، واشترط شروطًا ووجه القوة توجيهًا محددًا؟

 

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج، أم أن آخر الدواء الكيّ؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة، وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف، أم من واجب الإنسان أن يستخدم القوة، وليكن بعد ذلك ما يكون؟

 

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه- والثورة أعنف مظاهر القوة، فنظرة الإخوان المسلمين إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر جرَّب حظه في الثورات، فلم يَجْنِ من ورائها إلا ما تعلمون، وبعد كل هذه النظرات والتقديرات، أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية؛ حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون بأنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء سينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح- أما الثورة، فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال، ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل؛ فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين، ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن، ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال) (15).

 

4- إقامة الأمة المسلمة:

 

الدعامة الرابعة من دعائم التربية السياسية عند حسن البنا:

 

هي إقامة الأمة المسلمة، التي تنتظم شعوب الإسلام في الوطن الإسلامي أو العالم الإسلامي في رابطة واحدة، تحت راية الإسلام، الذي يجمع ولا يفرق، ويوحد أبناء القبيلة وراء زعامة محمد عليه الصلاة والسلام.

وقد أشار إليها الإمام البنا في الأصل الأول من (الأصول العشرين)- بجانب الدولة والوطن- وهو ما يتعلق بالأمة؛ فالإسلام دولة ووطن أو حكومة وأمة.

فكما يُعنَى الإسلام بالسلطة الحاكمة يُعنى كذلك- بل قبل ذلك- بالأمة التي تختار السلطة وتنبثق عنها الدولة.

وقد ولد الإسلام في جزيرة العرب وهي قائمة على القبيلة والعصبية لها؛ فالقبيلة هي أساس الولاء، ومصدر الاعتزاز والانتماء، فلا مكان لابن القبيلة إلا بها، بل لا وجود له إلا بها، فهي النسب والحسب، وهي السلطة والقوة، وهي الاقتصاد والسياسة، يرضى برضاها، ويغضب بغضبها، أو بغضب شيخها، ويتعصب لابن القبيلة محقًّا كان أو مبطلاً، شعار كل واحد فيها (انصر أخاك- أي ابن القبيلة- ظالمًا أو مظلومًا) بالمعنى الظاهري للعبارة، وكل قبيلة تحاول أن تستعليَ على القبيلة الأخرى، وتنقص من أطرافها، ولهذا كثرت الغارات من بعضهم على بعض، حتى قال قائلهم:

 

وأحيانًا على بكر أخينا        إذا ما لم نجد إلا أخانا!

 

فلما جاء الإسلام نقلهم نقلة كبيرة في عالم الفكر، وعالم الشعور، وعالم الواقع، نقلهم من سجن القبلية الضيقة، إلى باحة الأمة الواسعة، وحذر أشد التحذير من الدعوة إلى العصبية بكل ألوانها، وخصوصًا العصبية للقبيلة.

 

وفي الحديث: "ليس منا من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية، أو مات على عصبية" (16)، "ومن قاتل تحت راية عُمَّية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية" (17).

 

 

 

وسئل صلى الله عليه وسلم عن العصبية فقال: "أن تعين قومك على الظلم" (18)، ففسرها بأثرها في واقع المجتمع القبلي، فصاحب العصبية مع جماعته، وإن جاروا وظلموا، على خلاف ما جاء به الإسلام من القيام بالقسط: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: من الآية 135)، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: من الآية 8).

 

وفي لحظة من لحظات الضعف البشري، أطلت النزعة القبلية عند بعض الصحابة، فتنادوا بأسماء قبائلهم: يا بني فلان: ويا بني علان، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب، وقال: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!" (19)، وقال عن دعوة العصبية كلمته المعبرة: "دعوها فإنها منتنة" (20).

 

لقد أراد الإسلام أن يبنيَ (أمة) على أساس العقيدة والفكرة وليس على أساس مادي أو أرضي أو عرقي، مما يبنى عليه البشر أممهم، من عنصر أو لون أو لغة أو أرض، مما ليس للإنسان فيه إرادة أو اختيار، بل هو قدر مفروض عليه، فلم يختر الإنسان جنسه ولا لونه ولا لغته ولا أرضه التي ولد فيها، إنما ورث هذا كله دون أن يكون له رأي فيه.

 

أما العقيدة فالأصل فيها أنها من اختيار الإنسان ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256)، وإيمان المقلد مشكوك في قبوله، بل مرفوض عند المحققين من علماء المسلمين.

أراد الإسلام للمسلمين أن يكونوا أمة تنتسب إلى الحق، لا إلى زيد أو عمرو من البشر، فهي لا تقوم على رابطة عرقية ولا لونية ولا إقليمية ولا طبقية، بل هي أمة عقيدة ورسالة قبل كل شيء.

هي أمة محمد؛ لأنه داعيها إلى الله، وهاديها إلى الصراط المستقيم، ومخرجها من الظلمات إلى النور بإذن الله، وهي أمة القرآن؛ لأنه كتاب ربها الذي أنزل إليها، ليهديَها للتي هي أقوم، ويعلمها من جهالة، ويهديها من ضلالة، ويضع في أيديها موازين الحق، ومفاتيح الخير، وبصائر الهدى، ومعالم الرشد.

هي أمة الإسلام، أو أمة المسلمين، كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: من الآية 78).

 

وهي أمة الإيمان أو أمة المؤمنين، ولهذا تُنادى في القرآن بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه الأمة: أمة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي لم تفضَّل على غيرها إلا بما تحمل من رسالة الخير والهداية للإنسانية، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)، وقوله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

 

وهي الأمة الوسط كما وصفها الله تعالى في كتابه وبوأها مكانة الشهادة على البشرية، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

هذه الأمة أمة دعوة ورسالة عالمية، لأنها مبعوثة بما بُعث به رسولها إلى الناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية 107).

 

ولهذا خاطبها رسولها قائلاً: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (21)، وقال أحد أبناء هذه الأمة (ربعي بن عامر) أمام قائد الفرس: "إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"!

هكذا كان يشعر الصحابة، ومن اتبعهم بإحسان بأنهم مبعوثون من الله لهداية الخلق، والأخذ بأيديهم إلى طريق النور، وإنقاذهم من براثن الطواغيت الذين أضلوهم عن سواء السبيل.

 

ولقد أقام الإسلام أمة كبرى، جمعت بينها العقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، والقبلة الواحدة، والقيم الواحدة، والآداب الواحدة، والمفاهيم الواحدة، والمشاعر الواحدة، وحسب وحدتها أمام العالم أمور ثلاثة:

 

1- وحدة المرجعية، فكلها تحتكم إلى الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة، على اختلاف المذاهب، وتعدد المدارس والمشارب.

 

 

 

2- وحدة (دار الإسلام) التي يعبر عنها اليوم بـ(الوطن الإسلامي) فرغم تعدد الأقطار، وتباعد الديار، يعبر فقهاء الإسلام جميعًا عنها بكلمة دار الإسلام، فهي دار واحدة وليست ديارًا.

3- وحدة (القيادة السياسية) التي يمثلها الخليفة أو الإمام الأعظم، الذي يختاره أهل الحل والعقد في الأمة اختيارًا حرًّا، وتبايعه الأمة بكل فئاتها بيعة عامة.

وقد ظلت هذه الخلافة أو القيادة الإسلامية العامة، ثلاثة عشر قرنًا أو تزيد، والأمة المسلمة منضوية تحت لوائها، على ما كان في بعضها من مآخذ وعيوب، ولكنها جميعها كانت تؤمن بمرجعية الإسلام، ووحدة أمته، ووحدة داره، إلى أن سعى الساعون، وكاد الكائدون، لهدم هذه القلعة التاريخية، وهتك هذه المظلة الإسلامية، فألغيت الخلافة الإسلامية على يد (أتاتورك) سنة 1924م، وانتهى آخر تجمع للمسلمين تحت لواء العقيدة الإسلامية، ولم يأذن الله بعد بعودة هذه القيادة من جديد.

ولا تزال هناك جماعات تسعى لإعادة الخلافة من جديد وإحياء الأمة الإسلامية الموجودة عند كثيرين في الفكر والشعور وإن لم تكن موجودة في الواقع (22).

 

ومن أقوال الأستاذ البنا في ذلك ما ذكره في رسالة التعاليم وهو يشرح (ركن العمل) وقد ذكر فيه إصلاح الفرد والبيت والمجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة، ثم قال:

(وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها، وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة) (23).

 

وبهذا ينظر الأستاذ إلى إعادة الخلافة نظرة واقعية، فليست الخلافة بالأمر الهين، الذي ينشأ بمجرد الإعلان عنه، أو مبايعة حاكم على تسميته بذلك، بل لا بد من خطوات فكرية وثقافية وعملية ممهدة، ولا سيما بعد أن مزق الاستعمار وخلفاؤه نسيج الأمة، وباعدوا بين أقطارها وأجناسها.

 

وقد عاد الإمام البنا لأمر الخلافة، وتحدث عنها في رسالة المؤتمر الخامس فقال:

 

(ولعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها، وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة- رضوان الله عليهم- النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه حتى فرغوا من تلك المهمة واطمأنوا إلى إنجازها.

 

- موقع اخوان اون لاين .

التداول على السُلطة التنفيذية

إلى الشعوب التي حطّمت أغلال عبودية البشر، وقدّمت قوافل الشهداء، ودفعت الثمن غالياً من دماء أبنائها وابتُليت بالجوع والخوف والفزع، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله وما ضعفت وما استكانت للوصول إلى حريتها وكرامتها وتحقيق العدالة والشورى بين أبنائها ولسان حال مواطنيها قول الشاعر:

الأسباب الموجبة لمحبة الله كما عدّها ابن القيم

وسط هذا الجو المزدحم والزاخر بالماديات، والتثاقل إلى الأرض وطينها.. يحتاج المسلم إلى السمو والرفرفة في عالم الروح؛ حتى تكون حياته متوازنة، فلا يربو جانب على آخر، فهو يبتغي بين هذا الطريق وذاك سبيلاً.. هو السبيل الذي أراده الله لعباده. ومن ثم يأتي كتاب الدكتور عبد العزيز مصطفى

قوة الفكر

الفكرة قد تكون بسيطة وقد تبدو ضعيفة ولكنها في الحقيقة أعمق و أقوى مما تتخيل .2- بالفكر يستطيع الإنسان أن يجعل عالمه من الورود أو من الشوك .3- كل إنسان يرسم في داخله صورة عن نفسه في جميع أركان حياته , فالصورة التي ترسمها في داخلك من أهم أسباب النجاح أو الفشل .4- الثقة هي القوة الذ