تأملات في جُمعة المسلمين

التاريخ: الثلاثاء 5 إبريل 2016 الساعة 08:46:09 مساءً
تأملات في جُمعة المسلمين


الحديث عن يوم الجمعة وفضله وعظيم مكانته حديث له قدره، والناظر في النصوص القُرآنية الآمرة بصلاة الجمعة والنصوص الحديثية المتحدثة عن فضله وآدابه وهداية الأُمة له يُدرك أن لهذا اليوم مقاصدَ وفلسفة تحتاج إلى تأملها والغوص في أعماقها وأن تتشربها الأُمة فتصبح سلوكًا وواقعًا.. حقيقةً لا مجازًا.. فعلًا لا كلامًا! وهذه الأبعاد أو تلك الفلسفة التي يخرج بها المتأمل من صلاة الجُمعة وشعائرها يجد أنها تتقاطع مع كثير من الأركان والشعائر الإسلامية، فالأوامر والإرشادات الواردة في حق يوم الجمعة تُمثل مساحةً واسعةً من معالم هذه الأُمة.

عن أبي سعيد الخُدري عن أبيه أن رسول الله ص قال: «الغُسل يوم الجمعة واجب على كُل محتلم وسواكٌ ويمس من الطيب ما قدر عليه» (رواه مُسلم)، فهو أمر بالاغتسالِ والتطهرِ، سواء أكان الأمر للوجوب أو للاستحباب على اختلافٍ بين المذاهب، بغرضِ النظافةِ والتجملِ والتطيبِ لإظهارِ جماليةِ المسلمين في صورةٍ بهيةٍ بحيث تكون سمةً من سماتِ الإنسان المسلم ومعلمًا من معالِمهِ، وبالتالي يكونُ معلمًا من معالم الأُمة وسمةً من سماتها، فهي أُمةٌ جماليةٌ وهي أمة الجمال في كل شيء، وخالقها جميلٌ يُحب الجمال وطيب لا يقبل إلا طيبًا، والبُعد الجمالي يُلمس في كل أحكامها، ويمتد في الشريعة بتفصيلاتها، حتى في الاعتقاد، وقد أبدع العلامةُ المغربي فريد الأنصاري- رحمه الله- لمَا سمى كتابه «جمالية الدين.. من معارج القلب إلى حياة الروح» لقد تحدث الرجل عن جمالية التعريف بالله وجمالية القُرآن وجمالية الإيمان باليوم الآخر، بل عن جمالية الموت! فالجمال مقصد يؤخذ ويُعمم ويُنزل في كل مناحي الحياةِ.. سلوكًا وعملًا وتطبيقًا.. وذلك ملمح من ملامح الإحسان ومستوى من مستوياته.

التعليم والتزكية

اختُصت هذه الأمة بهذا اليوم وهُديت إليه وجُعل لها عيدًا، فعن أبي هريرة ] أن رسول الله ص قال: «نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أُمةٍ أوتيت الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم ثم هذا اليوم الذى كتبه الله علينا هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبعٌ اليوم غدًا والنصارى بعد غد» (رواه مسلم).

وقال تعالى {يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كُنتم تعلمون}(سورة الجمعة)، فالسعي إلى ذكر الله واستشعار أهمية هذه الشعيرة، وأن الأُمةَ مختصةٌ بها وحدها إنما هو تذكير للأُمة برسالتها وبدعوتها، وتربية شاملة لها، تربية وجدانية روحية، وتربية فكرية للأُمة لبناء وعيها وتوضيح أهدافها وتصحيح عقيدتها، ومن هُنا يتأتى الحديث عن خُطبة الجُمعة وأهمية محتواها، وهو ما يفتقده واقع اليوم، فالمسلمون يحضرون هذه الشعيرة الأسبوعية «الحاشدة» كي يستمعوا إلى خطبة من الواجب أن تكون لإنهاضهم وتوضيح الصورة الحقيقية في أذهانهم وتذكيرهم بما ينبغي التذكير به ومناقشة الواقع ومشاكله، فالواجب إذن أن يكون خطاب نهضة وحضارة لتحقيق مقاصد هذا الدين ومقاصد إخراج هذه الأُمة للناس، ومن العجيب أنك قد تجد من يتحدث عن تفصيلات التفصيلات مما لا علاقة له بالمُستمع على الإطلاق مما ينُفر من الاستماع، حتى صار البعض يصوغ النكات على ذلك الأمر! فالواجب أن تكون خطبةً واضحةً تناقش واقع اليوم وتُلبي احتياجات وتطلعات الناس، تتحدث من واقع الأُمة.. لا من واقع أحدٍ غيرها.. ولهدف الأُمة.. لا لهدف أحد غيرها.. وبروح الأُمة لا بروح أحدٍ غيرها، تُربي الفكر والوجدان وتُرسخ المفاهيم الأساسية المُحركةَ للأُمة في أذهان وقلوب أبنائها.

الأُمة هي الأصل

وذلك معلم من أهم المعالم وهو مُـتكررٌ في أغلب الشعائر والأحكام الشرعية، إن لم يكن في جميعها، وهو وحدة الأُمة والانسجام فيما بينها، وهذه الرابطة الأخوية بين جميع أفراد الأُمة وهذا التكاتف والتعاضد وهذه الأخوة والمساواة بين الفقير والغني والحاكم والمحكوم والضعيف والقوي، تسهم في المحافظة على وحدة جماعة المُسلمين وإيجاد الجامعة الإسلامية والتذكير بالأخوة الإسلامية، فمهما اختلفت بعض الأفكار وتعددت الوسائل والبرامج العملية في آلياتها، فإن الجمعة تكون محضنًا أُسبوعيًّا لجمع الأواصر والتركيز على الأصول والمقاصد والكليات الأساسية لهذه الأُمة التى يسعى الجميع لتحقيقها والسعي إليها، بالإضافة إلى اللقاء اليومي خمس مرات في صلاة الجماعة، وكذلك الحج، ذلك المؤتمر السنوي للأمة.

قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كُنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا}، وقال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}(الانفال:46).

ومن هُنا وجب التنبيه على أن تكون المنابر للأمة فقط! وليس لأحزاب أو لحركات إصلاحية أو جماعات أو غيرها، فإن المنبر مقام كان يقف فيه رسول الله ص فهو منبر للأُمة يتحدث بروح الأمة.. و في قضايا الأُمة.

ولذا فإن مشهد الجمعة هو مشهد لمناقشة هموم الأُمة والواقع، والسعي لتحقيق أهدافها، مشهد تلتقي فيه الأُمة كلها فتكتسب قوتها من وحدتها، فتُحقق أهدافها التي كانت تظنها مستحيلة، فإذا بها واقعًا بفضل وحدتها واجتماعها.

بناءُ الأُمة وعمارة الأرض

بعد أن أمر الله- سبحانه وتعالى- عباده بالسعي إلى ذكر الله وإجابة نداء الجُمعة، أمرهم بالانتشار في الأرض و الابتغاء من فضل الله، والسعي في الأرض.

قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تُفلحون}، فهو جمعٌ بين بناء الروح والفكر وبين بناء الأُمة وعمارة الأرض بروح المؤمن الذاكر لربه في كُل وقت وحين.

وهو ما يميز هذه الرسالة الخالدة الموازنة، والجمع بين الروح والمادة والمصالح الدنيوية والأخروية، وقد هدفت الشريعة إلى تحقيق كليهما، وعمارة القلب وعمارة الأرض.. ومن هُنا تتحقق الشهادة على العالمين وتتأتى النهضة المرجوة.

علاقة الأُمة بمفهوم الزمن

الناظر في فضل التبكير إلى صلاة الجُمعة وجزاء من يأتي في الساعة الأُولى ثم الثانية... وهكذا يُدرك أهمية الزمن بعمقه الفلسفي، بامتداده العرضي وليس فقط الطولي، وباحتوائه للعديد من أحداث وقصص وأخبار الأُمم التي أُمرنا بالتفكر فيها.

كذلك ففي هذا اليوم ساعة إجابة نجلس ننتظرها ونترقبها لعل الله يُكرمنا بفتحٍ من عنده، وهو ذات الأمر في الصلوات الخمس، فهي في أوقات مختلفة (الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء) ما بين نور وظلام وشروق وغروب، ربط بالزمن وبالكون، و في كتاب الله سور باسم هذه الأوقات (الفجر- الضُحى- الليل- العصر) كي لا ينقطع المسلم عن هذا العالم وكي لا ينحصر نظره وينحسر!.

يوم الجمعة وصلاة الجمعة.. ملامح لبناء العرفان والإنسان والبنيان.. هي صياغة مُستمرة مُتجددة.. لبناء الإنسان والأُمة.. والله أعلم.

إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً

لا نجاح حقيقي يأتي على طبق من ذهب وبدون مكابدة الصعاب واحتمال المكاره والمثابرة مع المصابرة والمجاهدة مع الاجتهاد في إعمال الذهن للحصول على الفهم العميق للواقع والتخطيط السليم لتحقيق الأهداف. فالعسر الذي الذي نتحمله في بذل الجهد مقرون باليسر الناتج عن تحقيق الهدف" فإن مع العسر

قبل أن يُطبع على قلوبنا بختم الغفلة

جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:”لينتهِيَنّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمَنّ الله على قلوبهم ثمّ ليكونَنّ من الغافلين” وفي الحديث تأكيد أن تطبيع الوعي على المعصية والانهماك في قضايا الدنيا مع غياب الإحساس بتأنيب الضمير

معرفة الله

أيها الإخوة الشباب: أصل الدين معرفة الله، لأنك إن عرفت الله ثم عرفت أمره فإنك تتفانى في طاعته، لكنك إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فإنك تتحايل لتجد طريقة تتهرب فيها من أمره. لذلك قيل: (لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظمة من عصيت) وأما الطريق إلى معرفة الله تعالى ففي ثلاثة بن