اغْتنـمْ دُنيـاكَ مَـزرَعـةً لآخِـرتـِـك

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 16 يناير 2016 الساعة 12:00:00 صباحاً
  اغْتنـمْ دُنيـاكَ مَـزرَعـةً لآخِـرتـِـك

   الشيخ: حسن السبيكي... خاص:

 يقول الله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } القصص 77 .

   آية كريمة بليغة وواسعة المعاني والدلالات في ايجاز، وردت في سياق قصة قارون، وهو من قوم موسى، ضرب الله به مثالا واقعيا لطغيان النفوذ المالي، في عهد طغيان النفوذ السياسي مع فرعون وهامان. وقد اغتر قارون بما آتاه الله من كنوز المال التي تنوء مفاتيحها بالعصبة أولي القوة. وبدل الاعتراف بفضل الله المنعم ويشكرله، قال في جحود واستكبار: { إنّما أوتيتُه على عِلمٍ عِندي }. وزاد من عجبه  وغروره أن خرج على قومه في زينته اختيالا، فانقسم الناس حوله فريقين:

ـ فريق هم طلاب الدنيا، احتكموا مثله الى أهواء نفوسهم، وانبهروا مخدوعين بزينة قارون:{ قال الذينَ يُريدونَ الحَياةَ الدّنيا يالَيتَ لنا مِثلَما أوتِيَ قارونُ إنّه لَذُو حَظٍّ عَظيمٍ }.

ـ والفريق الثاني هم طلاب الآخرة، احتكموا الى عقولهم وتبصرهم بحقائق الأمور: { وقالَ الذينَ أٌوتُوا العِلمَ: وَيلَكمْ ثوابُ اللهِ خَيرٌ لِمن آمَنَ وعَمِلَ صالحاً ولا يُلقّاها الاّ الصابِرونَ }.

  هنا تأخذ الآية التي انطلقنا منها معناها ومغزاها:{ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }، وهي تحمل توجيهات ربانية في التوفيق بين الدنيا والآخرة، من خلال وصايا أربعة مركزة:

  ـ وصية بابتغاء الآخرة فيما آتاك الله من النعم، من أجل الفوز بالآخرة، وذلك بالشكر للمنعم الكريم، واعمار الارض بالصالحات وفعل الخيرات: { وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ }.

  ـ وصية النهي عن اغفال نصيب الدنيا ، تتزود به لحياة طيبة، من متطلبات العيش والتعفف والكرامة، وتدخر ثوابه زادا للآخرة { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }.

  ـ وصية بالاحسان كما أحسن الله اليك، فكما أحسن اليك بالخلق والحياة والرزق والتوفيق، تحسن في ذلك بإحسان الايمان والتوحيد والعبادة والاعمال والمعاملات، واحسان الشكر والبذل والعطاء { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ }.

  ـ وصية النهي عن الافساد في الارض بالاستكبار على الله والتمرد على نعمه، والظلم والمعاصي { وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }.

  وتنتهي القصة بذكر عاقبة الجحود والاستكبار في مصير قارون: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْدُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } (القصص 81 ). ثم يأتي التعقيب النهائي بتقرير المغزى العام وراء قصة قارون، تنبيها الى ان استحقاق الرضا والرضوان في الآخرة، هو للذين عاشوا دنياهم فيما يرضي الله تعالى غير طاغين ولا باغين ولا مفسدين: {  تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (القصص 84).

  فاظروا ايها الاخوة الكرام الى حقيقة العلاقة بين الدنيا الفانية والآخرة الباقية، كيف يقررها القرآن الكريم، مبينا أنه لا ينال نعيم الآخرة الا المتقون، الذين لم يعيشوا حياتهم الدنيا على الاستكبار والطغيان والافساد في الارض، وانما على الايمان والصلاح والاصلاح، واعمارها وفق مراد الله تعالى، الذي من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل وأمر بالقسط في كل شيء: { لقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } (الحديد 25).

  لماذا نسوق هذا الموضوع؟ ذلك ان كثيرا من المسلمين اليوم التبست عليهم حقيقة العلاقة بين الدنيا والآخرة، بسبب الجهل بالدين، والغفلة، وتشويش الافكار والفلسفات والقيم الغربية، حتى اصبحنا نرى ونسمع من يفرقون بينهما، على اعتقاد انهما لا يمكن الجمع بينهما، لكونهما نقيضين لا يلتقيان. فإما العمل للدنيا وهجر الآخرة، أو العمل للآخرة وإهمال الدنيا ! وكأن التوفيق بينهما ممتنع أو مستحيل ! وهذا خطأ كبير ووهم خطير.

  وتفسير هدا الإلتباس مرتبط بالواقع الذي يسود بلاد المسلمين وواقعهم، وهم بعيدون عن حقيقة المجتمع الاسلامي ومنهجه في الحياة، بعد ان عبثت به رياح الاستعمار والتبعية للغرب وانماطه الاجتماعية والحضارية، حيث اتسعت المسافة بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، وأصبح من يريد الدنيا يعتقد أنها لا تدرك إلا بالتحلل من كل التزام ديني أو خلقي أو سلوك نظيف !. بينما يعتقد طلاب الآخرة ان الطريق اليها هو التنكر للدنيا، وتجنب كل أوضاعها ووسائلها الفاتنة او المشبوهة. وترتب على ذلك أن طُردت الآخرة من حياة طلاب الدنيا في كثير من تصرفاتهم، كما طردت الدنيا من حياة طلاب الآخرة أو تكاد. وأحذ العمل للآخرة يتقلص حتى أصبح مقصورا على المساجد او على الاركان التعبدية الصرف، كالصلاة والصيام والحج والعمرة والاذكار، بينما اتسع نطاق الدنيا ليشمل الحياة كلها، بمجالاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. واصبح لسان الحال والمقال: "من اراد الدين او الآخرة فليذهب الى المسجد" ! وكأن التدين والاستقامة على الدين لا تكون الا في المساجد، وهكذا اصبح الدين ينفصل عن شؤون الحياة، شيئا فشيئا، ليسقط واقع المسلمين في العَلمانية اللائكية التي تفصل الدين عن الدنيا وتقصيه، ليكون الايمان والعبادة والآخرة في الكنائس، وتكون الحياة بكل مجالاتها عالما مستقلا لا دخل للدين فيه !.

  وهكذا اضطربت حياة المسلمين الدينية والدنيوية، وسادت التناقضات الغريبة في الاقوال والافعال والاحوال. فحين يلج المسلم المسجد، يرى نفسه في عبادة وفي عمل الآخرة، وحين يخرج منه يرى نفسه غير مقيد بالدين ولا ملزم بضوابطه، فلا ضير ولا بأس أن يعيش كما يهوى ويتصرف كما يشاء، ويستعمل أية وسيلة للوصول الى غايته الدنيوية، دون اعتبار للأوامر والنواهي الشرعية. بل ظهرت التناقضات الغريبة المقيتة في أحوال من التدين على الانتقاء والتجزيئ. فتجد من يصلي ولا يزكي، لأنه يرى الصلاة لله، ولكن المال له وحده، فلا حق لله فيه ولا لعباده !. ومنهم من يصوم رمضان ولا يصلي، وان صلى فلكي يقبل منه صيامه !. وقد يحرص بعضهم على اتقان الصلاة، أو التزام اوقاتها، لكنهم لا يهمهم اتقان الاعمال والحرص على الامانات والعهود والمواثيق !. ويصوم آخرون نوافل الاثنين والخميس والايام البيض بانتظام، ولكنهم لا يصومون عن الظلم وأكل اموال الناس بالباطل، ولا عن آفات اللسان من الكذب والغيبة والنميمة والقذف والزور. وقد يكثر بعضهم من النوافل وقيام الليل، لكنهم لا يعنيهم شيء من الاحسان الى الفقراء والمعوزين. ومن الناس من يهتم بالعبادات وهو على شراسة الأخلاق ورذائل الفواحش والمناكر !.

  كذلك أصبح كثير من الناس يعتبرون العمل للآخرة وقفا على ارتياد المساجد أو على أعمال التعبد الصرف، فلا أخلاق ولا إصلاح ولا إنفاق، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولا عهد ولا أمانة، ولا عفة ولا استقامة، إلا من أدركتهم عناية الله وتوفيقة بالالتزام ايمانا وعبادة واخلاقا ومعاملة، فطوبى لهم وهم قليل. وأما احوال التناقض المذكورة فانها وخيمة العواقب عاجلا وآجلا، فقد تؤدي بصاحبها الى مصير الافلاس في الآخرة، حيث لا تنفع الطاعات التعبدية من احبط ثوابها بسيء الافعال، كما أخبر الصادق الأمين وحذر فقال عليه الصلاة والسلام: (  أَدْرُون من الْمُفْلِسُ ؟» قالُوا : الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ . فقال : « إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا ، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا ، وَضَرَبَ هذا ، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه ، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ» (رواه مسلم).

  أيها الإخوة الكرام، إن الناس بين الدنيا والآخرة أربع فئات:

ـ  فئة المنكرين للآخرة بجحودهم، من الكفار والمشركين والملحدين.ولهم من الله الوعيد الشديد: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبين الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} المطففيم 10. 13).

 ـ وفئة آثروا الحياة الدنيا على الآخرة وقطعوا صلتهم بما بعد الموت، وان كانوا موقنين بها، فعاشوا على الآمال بغير عمل، وكأنهم لا يقرأون قوله تعالى: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } (الاعلى 16ـ 17). أولا يتهيبون الوعيد الشديد: { فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى } (النازعات 37. 39) .

ـ وفئة انشغلوا بالآخرة، ولكن في دروشة وعزلة وانقطاع عن الدنيا، في زهد كاذب، ليس في حياتهم الا الذكر والاوراد، ثم لا عمل ولا إعمار، وقد يرى بعضهم ان تسبيحة او صلاة على النبي أفضل من عمل بر أواحسان او معروف{ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} .

ـ وفئة قليلة من المهتدين على علم ويقين وبصيرة، ملتزمين بنهج القرآن والسنة في فهم العلاقة بين الدنيا والآخرة والعمل بمقتضى كليهما، جاعلين دنياهم مزرعة لآخرتهم، فحياتهم إيمان وعمل صالح بالجهاد والإجتهاد والبر والإحسان { يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ } (آل عمران114).

  لابد إذاً من الفهم الصحيح للعلاقة التلازمية بين الدنيا والآخرة، ولا يكون ذلك الا بالاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله، وكل شيء فيهما مفصل تفصيلا. فالغاية الاسمى هي العمل للآخرة، لأنها دار الجزاء ومستقر الحياة الأبدية. والطريق اليها انما يكون بداية في الحياة الدنيا الآنية الفانية، وهي مزرعة الآخرة. ورأسمال الانسان فيها هو طاعة الله تعالى والعمل وفق برنامج شرع الله، فإنه لا ينال ثواب الآخرة الا من عمل في دنياه إيمانا واخلاصا وجدا واجتهادا وجهادا: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ }الشورى 20. وهنا يفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى )(أحمد). 

     الخطبــة الثانيـــة:

   في صحيح البخاري ان الصحابة سمعوا بمقدم أبي عبيدة بأموال الجزية من البحرين، فوافوا المسجد بكثرة، فتبسم النبي في وجوههم وهو خبير بمقصدهم، وزودهم بالبشارة والتحذير فقال عليه الصلاة والسلام: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟ قالوا أجل يا رسول الله قال: " فأبشروا وأمّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) (الشيخان) .

   أيها المؤمنون، ان الامة الاسلامية في ماضيها الذهبي، لم ترقَ الى مقام الخيرية والسيادة والعزة، إلا لكونها عملت بحكمة الاسلام في التوفيق بين مقتضيات الحياة الدنيا، ومطالب الآخرة، حيث كان السلف رهبانا بالليل، فرسانا بالنهار، عاملين عابدين جادين مجتهدين مجاهدين، فنالوا وعد الله لهم بالحياة الطيبة، كما نالوا خير الزاد لآخرتهم بالتقوى والاستقامة، وبشارة الرضا والرضوان.

   وما أصيب المسلمون اليوم بالضعف والهوان، والذلة والانهزام، إلا حين رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، وأقبلوا على متاعها الزائل، يتنافسونها متباغضين متصارعين، غافلين عن الآخرة، فأهلكتهم كما أهلكت طلاب الدنيا في كل زمان. سأل سليمان بن عبد الملك، العالمَ أبا حازم : " يا أبا حازم مالنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم:  لأنكم عمَرتم دنياكم، وخرّبتم أخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب". والمراد هنا هو اعمارهم دنياهم بالشهوات والملذات الفانية، ولم يعملوا بما يعمر آخرتهم من الصالحات وفعل الخيرات. كانوا من أبناء الدنيا الذين تجاهلوا الآخرة وكأنهم يمارون في حقيقتها، فلا يعملون لها. يقول علي كرم الله وجهه: ( أَلا إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً ، وَإن الآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَما بَنُون، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فالْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ ).

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو العارف البصير بحقيقة الدين والدنيا والآخرة، كان يدعو ويقول: (اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ) (اخرجه مسلم).

 كذلك نرجو الله تعالى ان يصلح ديننا ودنيانا وآخرتنا، ويلهمنا التوفيق لما يرضيه في الدارين ، انه حليم كريم.

تقلبات الدنيا بأصحابها

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذ

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس