ولَــــذِكْــرُ اللهِ أكبَـــــرُ

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 24 يونيو 2015 الساعة 12:00:00 صباحاً
 ولَــــذِكْــرُ اللهِ أكبَـــــرُ

 ولَــــذِكْــرُ اللهِ أكبَـــــرُ   

 

يقول الله عز وجل: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } (الاحزاب 41 ـ 43)

   ايها المؤمنون، نحن عبيد الله تعالى، ما خلقنا الا لنعبده مؤمنين به وموحدين.{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ونحن مفتقرون الى عناينه وتوفيقه، مثلما هو افتقارنا الى عفوه ورحمته. من أجل ذلك نحن محتاجون الى ذكره سبحانه وشكره وحسن عبادته، في كل حين وعلى كل حال، وهو العليم بافتقارنا وحاجاتنا{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. وقد فرض الله علينا من أعمال العبادة ما نتقرب به اليه ونعلن عبوديتنا له سبحانه طائعين خاضعين. وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات ما نزداد به عبودية له سبحانه واستزادة من فضله وثوابه.

    ومن أنواع العبادة وأوسعها، التي ركَّز الإسلام عليها ونبَّه إلى أهميَّتها، عبادة سهلة يسيرة، لا تحتاج الى مال ولا الى جهد ولا جهاد، ولا تَستلزم فراغًا، بل هي في متناول الكبير والصغير، والرجال والنساء، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والصحيح والعليل. لا تستلزم طهارة اغتسال ولا وضوء. عبادة شأنها عظيم، وأثرها كبير في كسب الحسنات ورفْع الدرجات ومَحو السيئات، إنها ذكر الله تعالى.

   والذكر مقام رفيع من مقامات العبودية والايمان. وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه سبحانه وبين عباده، ما لم يغلقوه دونهم بالغفلة والشرود. فبالذكر تفتح الآذان الصم والاعين العمي والقلوب الغلف، وتسكن النفوس الى نعمة الرضا والسكينة والطمأنينة. إنه نعمة عظيمة، ومنحة كبيرة، له لذة لا يدركها إلا من ذاقها، وقد عبّر عنها أحد الذاكرين فقال: "إنا لفي لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".

  وأذا كانت الحياة لا تهنأ وتصقو إلا بالطمأنينة، فإن هذه النعمة وعد من الله تعالى لعباده الذاكرين له خاصة، ووعد الله حق: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (الرعد 28). وبغير ذكر الله، لا طمأنينة ولا سكينة، ولا استقرار، ولا أمن ولا أمان من مكائد الشيطان، الذي يستحوذ على قلوب الغافلين عن الله وعن ذكره وشكره وعبادته، فيوردها المهالك: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } (الزخرف 36 ـ 37). وفي المقابل، فان حياة الضنك والشقاء، وعيد من الله تعالى للمعرضين عن ذكره { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} (طه 12 ـ 126).

  يقول ابن عباس (ض) ( الشيطان جاثِم على قلب ابن آدم، فإذا سَها وغفلَ، وسْـوَس، وإذا ذكر الله ، خَنـَس ). ولا ريب ان القلب يصدأ بالغفلة والذنوب،كما يصدأ النحاس، ولا يصقل ويجلو الا بالذكر والاستغفار. وويل للقلب الغافل عن ذكر الله، فهو في محنة القسوة والشقاء، قال تعالى{ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا } ( الكهف:28).

   فذكر الله من أعظم القربات فضلا وثوابا عند الله جل وعلا، فهو طاعة وعبادة وشكر، لا مشقة فيه ولا تعب، فضلا من الله ونعمة، بل هو عمل يسير لنيل أجر كثبر:{ .. والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}(الاحزاب 35).

  وفي فضل الذكر وشرف منزلته تضافرت آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية قولا وعملا. حسبكم في ذلك قوله تعالى وهو يشرّف الذاكرين بذكره لهم: { فاذْكُروني أذْكُرْكُم، واشْكُروا لي ولا تَكفُرونِ} (البقره ايه 152). فلو لم يكن في فضل الذكر الا هذه الآية لكانت كافية شافية في بيان شرفه. قال الحسن البصري في معناها: "قال: فاذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي". وقال أيضا‏:‏ "إن اللّه يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره" وقال سعيد بن جبير: "فاذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ورحمتي". فاذكر الله تعالى بالتهليل والتسبيح والحمد والشكر، يذكرْك بمحبته وعنايته ورضاه ورحمته وغفرانه. وفي الحديث القدسي بيان ذلك في قوله تبارك وتعالى: ( أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكَرني في نفسه، ذكَرته في نفسي، وإن ذكرني في مَلَإ، ذكرته في مَلإ خيرٍ منهم) (الشيخان).

   وانظر الى المقام الرفيع للذكر مقرونا بأعظم القربات، تلاوة القرآن واقام الصلاة: { اتلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (العنكبوت45). وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب المؤمنين في الذكر وثوابه فيقول: ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنفاقِ الذَّهَبِ وَالفضة، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : وَما ذاك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )(احمد وغيره). وجاء أعرابي الى النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " إن شرائع الاسلام قد كثرت علي، فمرني بأمر أتشبث به. فقال له النبي: ( لايزالُ لِسانُك رَطبًا مِن ذِكر الله)(  اصحاب السنن).

  و في غير الاذكار المقيدة، فليس لذكر الله زمان خاص ولا مكان، فهو العبادة المفتوحة على كل الازمان والاحوال، وهو من صفات اولي الألباب من المؤمنين: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران 191). وحتى في الجِهاد في سبيل الله وحال مُلاقاة الأعداء، يأمر الله تعالى بالثبات والتماس عزائم المدد الرباني بالإكثار من ذِكره؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (الأنفال: 45).

   وفي معظم آيات القرآن، يأمرنا الله تعالى غالبا بالإكثار من الذكر وليس مجرد الذكر. وكل العبادات مقيدة إما بعدد او بوقت، إلا الذكر فهو مطلق. يقول الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } (الأحزاب 21} وقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} (الأحزاب41)، وقال جل وعلا: { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } (الجمعة10). فلم يترك الشارع شيئا من حال او عمل او ظرف، الا شرع له من الاذكار ما يناسبه، في الصباح والمساء والنوم واليقظة والسفر وعند الاكل والشرب والعمل واللباس والزواج والركوب والنزول والخلاء وغير ذلك. وبذلك يكون المسلم على الذكر باستمرار، وانما هو بذلك في صلة دائمة بربه على كل حال.

  وإذا كان دوام ذكر الله من خصال أهل الايمان، فإن الغفلة عن الذكر حال العابدين لأهوائهم، الذين فقدوا نعمة الشكر ولذة الاتصال الدائم بربهم، وقد حذر القرآن من حالهم:{ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}. بل الذين تشغلهم دنيا المال والاولاد عن ذكر الله هم الخاسرون، وليس ذلك حال المؤمنين:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المنافقون 9).

  إذا علمنا كل هذا الفضل في ذكر الله تعالى، فهل يليق بنا أن نضيّع أثمن أوقات العمر غافلين عن ذكر الله؟ وإنها لحالة شاذة ومنكرة في الانسان وحده، وإلا فان كل الخلق في ملكوت السماوات والارض يذكرون الله ويسبحون بحمده:{ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (الاسراء 44). وفي مقابل ذلك فان من صفات المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً: { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا(النساء142}.

  إن ذكر الله في القرآن الكريم حاضر مع ذكر الاعمال الصالحة، كالصلاة والصيام والحج والجهاد. بل هو روح لها جميعا. لابد فيها من ذكر الله بالبسمة أو تلاوة القرآن أو التكبير او التهليل او التسبيح او الحمد، او بذكر اسماء الله الحسنى وصفاته العلا، بحسب الاقوال والافعال والاحوال.

  والذكر أنواع،وكلها مطلوبة، وفي تضافرها تكامل العبودية لله تبارك وتعالى:

  ـ ذكر الثنــاء ، وهو تمجيد الله تعالى والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وذكر آلائه وإنعامه وإحسانه ومواقع فضله على عباده، وتسبيحه بالتكبير والتهليل والحمد وغيرها، وفي القرآن الكريم كل صيغها بيانا لنا وتعليما.

  ـ ذكر الدعــاء، وهو في ذكر الله مصحوبا بالدعاء الدال على الافتقار اليه والاستعانة به والاستغاثة. وذلك كقولك ربنا اغفر لنا وارحمنا فانك غفور رحيم، اللهم آت انفسنا تقواها، رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي.. والذكر أفضل من الدعاء، لأن الذكر ثناء على الله عز وجل بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء سؤال العبد حاجته. ولهذا جاء في الحديث: ( من شغَله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). ولذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى، والثناء عليه بين يدي حاجته.

  ـ ذكر الرعايــة، وذلك بذكر الله في في الاحوال والمناسبات، اعترافا بربوبيته وعلمه وقدرته كقولك : (الله اعلم، إن شاء الله، توكلت على الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة الا بالله، حسبنا الله..)

  ـ ذكر التــلاوة، وهو في قراءة القرآن، فهو (الذكر الحكيم) أشرف الذكر وأعظمه فضلا وثوابا، لأنه جامع لكل صيغ الذكر ومعانيها.وفي الفضل العظيم والثواب العميم لتلاوة القرآن احاديث نبوية كثيرة.

 ويلحق بذلك تصنيف آخر الى ذكر عام مطلق غير مقيد بمكان ولا زمان، وهو الذي ذكرناه. وذكر خاص مسنون في عبادات أو في اماكن وظروف خاصة، كالذكر في الصلوات في الركوع والسجود، وفي مناسك الحج والعمرة، وكالادعية المستحبة قبل الصلاة وبعدها ودعاء الاستخارة وغيرها.

  وأكمل صورة لذكر الله، هي التي يتضافر فيها عمل القلب والعقل واللسان والجوارح: فالذكر بالقلب إيمان وتصديق واخلاص وخوف ورجاء، وهو أبلغ وأعمق، لأنه يثمر المعرفة بالله، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويدعو إلى المراقبة، ويزع عن التقصير في الطاعات والإستهانة بالمعاصي والمنكرات. والذكر بالعقل، تفكر وتدبر في آيات ربوبيته سبحانه والوهيته وحكمة تدبيره، وفضله على العباد. والذكر باللسان، تمجيد وثناء على الله بما هو أهله وما يحب ويرضى، وأفضله ما اثنى به على نفسه او أثنى عليه رسوله الكريم. والذكر بالجوارح، مواكبة للقلب والعقل واللسان وتصديق لها بأعمال الطاعات والقربات. وانما امتازت الصلاة باعظم الفضل وكونها عمود الدين، لأنها تضم كل ذلك، مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه، فكانت أفضل من القراءة والذكر والدعاء على انفراد.

  إن حضورك بكل كيانك في ذكر الله، تحقيق لتمام الاقبال على ربك جسدا وروحا وعقلا، وتلك صورة الصلة الحقيقية التي يحبها الله من عباده الذاكرين، وهم الذين يجدون لذة الذكر وحلاوته وآثاره الطيبة في نفوسهم وحياتهم. وقد بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاكرين بأنهم سيكونون في ظل الله تعالى بين السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل الا ظله: (ورجلٌ ذكَرَ اللهَ خالياً ففاضَتْ عيْناهُ). وفي ذلك قال الإمام القرطبي: "وفيض العين بحسب حال الذاكر، وبحسب ما ينكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه سبحانه...". يقول الحسن البصري: ( تفقدوا الحلاوةَ في ثلاث: في الصلاة، وفي القرآن، وفي الذّكْر، فان وجدتُم فذاك، وإلا فاعلموا إن البابَ مُغلَق ).وأما مجالس اللغو واللهو التي لا ذكر فيها، فهي حسرة على أصحابها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، الا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة)(احمد وابو داود). يقول الحسن البصري (أما يستحي أحدكم إذا لقي الله تعالى ثم نظر في صحيفته فإذا عامة ما فيها ليس من ذكر الله ؟) .

  فاتقوا الله اخوتي الكرام، واملأوا أوقاتكم بالذكر الكثير، والتمسوا حلاوته وآثاره الطيبة في قلوبكم ونفوسكم وعقولكم وسائر أحوالكم. فانتم بدوام الذكر في معية الله تعالى، ونعم المعية راحةً وترويحا وسكينةً وطمأنينة وعناية وتوفيقا. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

  الخطبـــة الثانيـــة:

  عن معاذ بن جبل يَقُولُ: ( إِنَّ آخِرَ كَلِمَةٍ فَارَقْتُ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَوْ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّه ) (رواه ابن حبان والطبراني)

 وكما أن للذكر ثوابا عظيما في الآخرة، وكونه يحط الخطايا ويكثر الحسنات ويرفع الدرجات، فان له فوائد وآثارا طيبة على الذاكرين: فالذكر يرضي الرحمن ويطرد الشيطان، ويزيل الهم والغم، ويصقل القلب، ويكسو الذاكرين مهابة ونضرة الوجوه، ويفتح ابواب معرفة الله وتعظيمه وخشيته ورجائه. والذاكرون يتعرفون الى الله في الرخاء فيعرفهم في الشدة. والذكر نور في الدنيا للذاكرين، ونور لهم في القبور، ونور يسعى بين أيديهم على الصراط. وبالذكر يحظى المؤمن بمعية الله له بالقرب والولاية والمحبة والنصرة والتوفيق. والذكر عون قوي على الطاعات بما يكسب الذاكرين من الطاقات الروحية، تزيد كلما ازداوا تذوقا لحلاوته وملأوا اوقاتهم به. وفوق ذلك فان مواطن الذكر وأزمنته وسائز الكائنات تشهد للذاكرين يوم القيامة. ولا غرابة، فإن الذاكر وهو يلهج بالتعظيم والتمجيد والثناء على ربه، يحظى في جنب الله بالعناية والتوفيق. وأما الغافل عن الذكر فهو محروم من ذلك، لأنه نسي ربه فانساه الله نفسه: {  وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(الحشر 19).

  وفي اهمية الذكر واثره النفسي في ارادة المؤمن وعزيمته وصبره، قصة عجيبة: يروي علي (ض) أَنَّ فَاطِمَةَ (ض) أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى, وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ، أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا، ثم قَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؟ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) ( رواه الشيخان).

   وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع الذكر الفاضلة ذات الثواب العظيم، ومنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ حيث وردَت في فضْلها أحاديثُ كثيرة، منها: قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ( أحبُّ الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا يضرُّك بأيِّهنَّ بدَأتَ)(رواه مسلم). وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: ( لأنْ أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليّ مما طلَعت عليه الشمس). وقوله: ( خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحـده لا شـريك له، له الـملك وله الحـمد، وهـو على كل شـيء  قدير).

  وهذه مجموعة أحاديث نبوية في فضل الذكر وثوابه: قال عليه الصلاة والسلام في فضل الذكر بالقرآن: ( يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُهَا) (رواه ابو داود) وقال: ( من قرأ آية الكرسى دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) وقوله: ( من قال لاإله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيئ قدير عشرًا كانت له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل) وقوله: ( من قال سبحان الله وبحمده فى يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) (من قال حين يصبح وحين يمسى : سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك أو زاد عليه).

       جعلني الله وإياكم من الذاكرين الله كثيرا، شاكرين لأنعمه، معترفين بعظيم فضله.. آمين.

 

ثمرات البركة واستجلابها

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ: اهمية البركة : ايها المسلمون: الكل يصيح

الاثار الطيبة بعد الموت

الحمد الله العزيز الغفار الواحد القهار، أنعم على العباد بهذه الدار، وجعلها مكان بلاء واختبار، ووعد الطائعين بجنات وأنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تواب غفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى عليه الله وعلى آله وسلم ما أثمرت الأشجار وما تفتحت الأزها

قانون الإضافة البسيطة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، ما نزل غيث إلا بمداد حك