اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

خاص عيون نت

التاريخ: الإثنين 26 يناير 2015 الساعة 12:00:00 صباحاً
اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

حسن سبيكي

خاص ينابيع

 

يقول الله تعالى: { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119)

   تتعدد أسباب وعوامل الاضطراب والفساد في واقع المسلمين اليوم، وتكثر التفسيرات والتأويلات، ويشتد النكير لضياع الامانات وانهيار الاخلاق واضطراب العلاقات والمعاملات، وفشل كثير من المشاريع التنموية والطموحات المستقبلية. ومهما كانت معايير التشريح والتحليل، فان بين مختلف الاسباب، سبب جوهري اعمق، هو في ضياع خلق الصدق وضاعت بضياعه اخلاق اخرى كثيرة تتصل به وتتوقف عليه. ولعل أصدق ميزان لرقي أمة من الأمم هو في مدى صدق أفرادها في أقوالهم وأعمالهم واحوالهم، وإنه لفساد كبير ذلك الذي يعاني منه الناس في علاقاتهم وأعمالهم ومعاملاتهم عندما يفقدون الثقة فيما بينهم بسبب فقدان فضائل الصدق، وانتشار رذائل الكذب والنفاق والخداع والزور، فتفسد الأقوال والأعمال، وتضطرب الاوضاع الدينية والخلقية والاجتماعية والحضارية. فليس غريبا إذن أن تقف الشرائع كلها مشددة على ضرورة خلق الصدق، منكرة رذيلة الكذب والنفاق.

  والإسلام هو أشد الشرائع وطأة على الكذب والكذابين والنفاق والمنافقين، وأكثرها تنويها بالصدق والصادقين، ضمن برنامج رباني من مكارم الاخلاق التي عليها مدار الدين بعد التوحيد والعبادة، كما عليها مدار مصالح البلاد والعباد، حتى جعل الله تعالى الصدق قرين التقوى وشاهده وبرهانه، فمن فقد الصدق فقد التقوى: { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).

    فالصدق عنوان الإسلام، وأساس لشرائعه في الإعتقاد والعبادة والمعاملات، وميزان الإيمان والاستقامة في تدين المسلم. وله المقام الأعلى في الدين والدنيا، وبه تميز أهل الإيمان من أهل النفاق، وبفضله يصل العبد إلى منازل الأبرار، وينجو من عذاب النار. وفي معناه، تضييق عند كثير من الناس الذين يقفون به عند منطوق اللسان فيعتبرون الصادق من يلزم الصراحة في كلامه دون كذب ولا بهتان. لكن الصدق واسع المعنى بكثير، لأنه مطلوب التجلي في كل احوال الانسان المسلم، في قلبه وشعوره، وعقله وتفكيره، وسلوكه وتدبيره، فلا يكون صادقا حقا حتى  يصدق في نواياه واقواله وأفعاله وأحواله:

 ـ فالصدق في النوايا، طهارة القلب من شوائب العجب والرياء ونوازع الشر ودوافع الاطماع والأحقاد. والاقبال على الله مخلصا له بقلب سليم. ومنه الصدق في العزم على الطاعات وأفعال الخير ابتغاء رضوان الله رغبة ورهبة.

ـ والصدق في الأقوال، يتجلى في التزام قول الحق في الحديث والإخبار عن الشيء على حقيقته من غير كذب ولا تزوير ولا تمويه. والصدق هنا مطابقة الكلام للحقيقة والواقع.

ـ والصدق في الأفعال: انعكاس صدق النوايا في إخلاص الاعمال والمعاملات، كالبر بالقسم، والوفاء بالعقود والعهود والوعود، وأداء الامانات، واتقان الاعمال. واحسان المعاملات، في غيرما تهاون ولا خداع ولا تقصير. وهو ما يدخل ضمن المعنى الاسلامي للبر والاحسان.  

ـ والصدق في الأحوال، وهو أعلى درجات الصدق، وجوهره الصدق مع الله في اعمال القلوب كالإخلاص والخشية والرجاء، والتوبة، والحب والثقة والتوكل وغيرها، ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، فمتى صدق المسلم في هذه الأحوال ارتفعت نفسه وعلت مكانته عند الله، واسلست له عزيمة الصدق في سائر الاقوال والافعال.

   ومما لاشك فيه أن أجمل حلية يتجمل بها المسلم في حياته بعد الإيمان هي زينة الصدق. إذ الصدق عنوان الإيمان وبرهانه، كما إن الكذب من علامات النفاق، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما يقاوم الآخر. ولذلك ذُكر المنافقون في الصورة المقابلة للصادقين، كما في قوله تعالى: ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِين..) (الأحزاب/24) . ولذلك كان الصدق من أخص خصال الأنبياء والمرسلين، أذ هو مصداق نبوتهم ودعواتهم. كذلك اثنى الله تعالى على بعضهم فوصفهم بالصادق أو الصدّيق، فقال تعالى عن نبيه إبراهيم {إنّه كانَ صِدّيقا نبيئًا}، وعن نبيه اسماعيل { أنّه كانَ صادِقَ الوَعدِ وكانَ رَسولاً نَبيئاً}، وعن إدريس {واذْكُرْ في الكِتابِ إدْريسَ انّه كانَ صِدّيقاً نَبيئاً}. ومعلوم ان نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم كان مشهوراً بالصادق الأمين قبل البعثة واشتهر بين أصحابه بالصادق المصدوق بعد البعثة.

   والصدق والإخلاص قرينان لا ينفصلان، ولكل منهما ظاهر وباطن، فالباطن تحكمه حال القلب بحسن النية وسلامة السريرة، والظاهر شاهده افعال الجوارح بالتقوى والاستقامة. ومن الصدق والاخلاص تتفرع فضائل الاخلاق: فمن الصدق يتشعب الصبر ، والقناعة ، والزهد ، والرضا ، والأنس. وعن الإخلاص يتشعب اليقين ، والخشية ، والمحبة ، والإجلال، والحياء. والصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به: صدق القلب بالإيمان تحقيقـًا ، وصدق النية في المقاصد، وصدق الجوارح في الأقوال والافعال .

  كما يعتبر الصدق وثيق الصلة بالإيمان، وهما متلازمان، ولا يتصور في المؤمن ما يناقضهما. كالكذب والنفاق. فقد يقع من المؤمن ما لا يُحمد من الصفات، غير أنه لا يكون كذابا ؛ وقد ورد في الاثر سؤال الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسولَ الله، أيكون المؤمن جبانـًا ؟ قال: " نعم " ، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال : نعم ، قيل له : أيكون المؤمن كذَّابـًا ؟ قال : " لا ") (رواه مالك، وضعفه الالباني).

  ويكاد الصدق يكون أساس شرائع الدين كله في الايمان والعبادات والاخلاق والمعاملات، لأن أي عمل لا يصاحبه الصدق، فقد ضاع منه الاخلاص، وحينها لا قيمة له في ميزان القبول عند الله، فاسمعوا قول الله تعالى في تحقيق البر، وهو جامع لوجوه الطاعات وفعل الخيرات: { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنِ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}  (البقرة 177).

  ومن لطف الله تعالى أن الصدق كغيره من الأخلاق يمكن للمسلم اكتسابه وتنميته بالاعتياد عليه والتزامه، وتحري العمل به، عن طريق المجاهدة والمران، بحيث يتدرج فيه من مرتبة الصادق الى مقام الصدوق، ثم منزلة الصديقية، وهي مرتبته العالية. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا ) ، وكذلك شأن الكاذب في السقوط إلى أن يختم عليه بالكذب : ( إيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ ويتحرى الكذب حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ) (رواه الشيخان).

  ومن فضائل الصدق أنه خلق رفيع القدر محمود مرغوب بجميع أنواعه ومظاهره. و إن الصادق محبوب إلى الله تعالى وإلى الخلق. يرفع الله قدره وذكره، ويعظم أجره. شاهد ذلك ما يحصل من ثناء الناس على الصادقين في حياتهم وبعد مماتهم، أخبارهم مقبولة وأمانتهم موثوقة، ومعاملتهم مرغوبة. والصادقون لهم من الله الفلاح في الدنيا والآخرة، بينما الكاذبون خائبون خاسرون. وفي الصدق نجاة على كل حال في الدنيا والآخرة، لأن الصادق موصول القلب بالله تعالى، عليه توكله ورجاؤه لا يخشى في صدقه مع ربه لومة لائم. ولنا في قصة توبة كعب بن مالك برهان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وهو من الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك -: ( أما هذا فقد صدق ). (الشيخان). يقول كعب بعد أن نزلت توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا :" فَوَ اللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلاَمِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا" ( الشيخان). وللصادقين من الله النجاة من المهالك، وتفريج الضيق والكرب؛ فقد جاء في حديث النبي عن الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة في الغار، انهم ما نجوا إلا بالصدق في الدعاء متقربين الى الله بما يعلم كل واحد منهم أنه قد صدق الله فيه". (رواه البخاري.).

   والصدق يقين وطمأنينة وثبات يمد صاحبه بقوة القلب، ووضوح البيان وعزيمة الارادة، مما يبعث من يعامله على الثقة.  ولذلك كان الصادق موصوفا بالجرأة والشجاعة في أقواله وافعاله ومواقفه ؛ لأنه ثابت لا يتلون، وواثق لا يتردد. وقد جاء في أحد تعريفات الصدق: القول بالحق في مواطن الهلكة، كما في تعريف الجنيد بقوله : حقيقة الصدق : "أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب". ويحكى ان الحجاج بن يوسف خطب يومًا، فأطال الخطبة، فقال أحد الحاضرين: الصلاةَ الصلاةَ فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أن الرجل مجنون فقال الحجاج: إن أقر بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل للحجاج : والله ما أنا بمجنون، ولا يسوغ لي أن أجحد نعمة الله التي أنعم بها عليَّ وأثبت لنفسي صفة الجنون التي نزهني الله عنها. فلما رأى الحجاج صدقه خلى سبيله.
وثمار الصدق طيبة مباركة في كل شيء، فهو في التجارة يجلب البركة والتيسير. فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (أو قال حتى يتفرقا) فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما ) (رواه البخاري ومسلم).

  ويوم القيامة انما تكون النجاة من اهواله وعذابه للصادقين لقوله سبحانه:{ قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (المائدة 119).ولهم جزاء المحسنين لقوله سبحانه: { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُو ، لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } (الزمر 33). وحسْبُ الصادق انه بفضل الله عليه، قد ينال منازل الشهداء بصدقه وإن مات على فراشه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) (رواه مسلم).

   أما الكذب فهو من أرذل الخصال، بل هو من علامات النفاق، ينم عن خبث السريرة وضعف الايمان واليقين. لذلك فان الكاذب تصاحبه لجلجة وتذبذب وارتباك، وتناقض، مما يدفع الناس الى الشك فيه وعدم الارتياح اليه. ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ) (رواه الترمذي). ويخشى عليه بالتمادي والاصرار ان يطبع الله على قلبه فيصير كذابا.. ولا يستصغر من الكذب شيء، لأن عواقبه وخيمة على كل حال. وحسْب الكاذب ضياعا وخسرانا ضياع كرامته بين الناس وانعدام الثقة به. روى الإمام البخاري، أنه خرج يطلب الحديث من رجل فرآه قد هربت فرسه، وهو يشير إليها برداء كأنّ فيه شعيًرا، فجاءته فأخذها. فقال البخاري: أكان معك شعير؟ قال الرجل: لا، ولكن أوهمتها. فقال البخاري: لا آخذ الحديث ممن يكذب على البهائم، فكان هذا من البخاري مثلاً عاليًا في مجرى الصدق ومقت الكذب واهله.

الخطبــة الثانيــة

قال الله تعالى: { منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} الاحزاب 23.

  هذه الآية، وإن كان لها سبب وسياق، في قصة أنس بن النضر الذي فاته فضل غزوة بدر مع النبي فكبُر عليه، فقال: أول مشهد قد شهده رسول الله غبتُ عنه!! أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع. فلما كانت غزوة أحد قاتل بشجاعة حتى قُتل على الصدق والوفاس بالعهد، فوُجِدَ في جسده بضعٌ وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، حتى انه لم يعرف إلا ببنانه.

    إلا أن الآية  انها بعموم اللفظ تذكرنا اننا جميعا على العهد مع الله موثقا بإعلان شهادة (لااله الا الله محمد رسول الله) ومقتضاه، ان نكون صادقين في التزام ميثاق الرضا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، والعمل بشرع الله، في الايمان والتوحيد والعبادات وسائر الاوامر والنواهي، على اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن آمن واستجاب على السمع والطاعة، عاملا باخلاص والتزام، فهو على سمت الصدق مع الله تعالى، لا يزيده الله الا ثباتا ويقينا وعونا على ذكره وشكره وحسن عبادته. ومتى صح الصدق من العبد المسلم فهو في طريق الفلاح والفوز كما اخبر النبي الكريم عن الاعرابي الذي جاءه ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ( الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا)، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: (شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا)، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ) (رواه الشيخان)

    فلو تحرى الناس الصدق مع الله لحضر الصدق في علاقاتهم ومعاملاتهم، ليفيض عليهم بصدق الاقوال والاعمال والمعاملات، فتسود الثقة وتصفو العلاقات، فيكون الصدق بين الزوجين منبع المودة والرحمة وصلاح الاسرة، وبين المعلم وتلامذته حافز الإخلاص في تربية الاجيال، وبين الاجير والمستاجر اساس الثقة والاتقان، وبين القاضي والمتقاضين دافع العدل والاحسان، وبين الراعي والرعية ضمان الوفاق والتعاون على نصرة الدين والحق ونشر السلام والامان. وهكذا يكون للصدق فعاليته في انجاز الاعمال واداء الامانات والتنافس على الخير.

 فاتقوا الله عباد الله، واصدقوا مولاكم في كل شؤون تدينكم، فيما تضمره قلوبكم، وما تنطق ألسنتكم، وفي سائر تصرفاتكم من الافعال والاعمال والمعاملات. فذلك برهان التقوى والاستقامة. ولكم من الله الوعد الحسن: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}  ( فصلت:31-32).

 

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح

النظرة الايجابية واثرها

الحمد لله الذي أمر عباده بالجد والاجتهاد، والسعي لما فيه مصلحة العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك جعل السعي إلى الكمال الإنساني طبيعة بشريّة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، علّم أمته معاني الهمّة والعزيمة، والايجابية وغرس فيهم قوة الإرادة والشكيمة