فوائد الذكر

التاريخ: الثلاثاء 23 ديسمبر 2014 الساعة 12:00:00 صباحاً
فوائد الذكر

فوائد الذكر

د.محمد راتب النابلسي

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله.

1- يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره:

 أول فوائد الذِكر أنه يطرد الشيطان ويَقْمَعُه ويكسره، وقد وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ خنَّاس، بمجرَّد أن تذكر الله عزَّ وجل يَخْنُسُ ويتلاشى، معك سلاحٌ فعَّال، معك سلاحٌ لا يكلِّفك إلا أن تكون مع الله، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [سورة الحجر: 42].

 

لعلَّ شرور البشر، لعل مصائب البشر، لعل محن البشر كلها بسبب وسوسة الشيطان، ألم يقل الله عزَّ وجل على لسان سيدنا موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة القصص: 15].

 

أية طامَّةٍ كبرى، وأيَّةُ مصيبةٍ كبرى، وأيُّ محنةٍ كبيرة وراءها الشيطان..

 

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].

 

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [سورة البقرة: 268].

 

 يمنعكم من أن تُنْفِقوا، الشيطان يلقي العداوة والبغضاء بين المؤمنين، الشيطان يخوّفكم من أوليائه، ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 175].

 

بمجرَّد أن تذكر الله عزَّ وجل يُطْرَدُ الشيطان، ويُقْمَعُ، ويُكْسَر وهو أعدى أعداء الإنسان.

 

2- يرضي الرحمن:

 

 الفائدة الثانية أن ذكر الله عزَّ وجل يرضي الرحمن.. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة: 152].

 

أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني.. أنا جليس الذاكرين".

 

 إنه يرضي الرحمن، لأن الله عزَّ وجل حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [سورة آل عمران:102].

 

 فسَّر علماء التفسير "حق التقوى" أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره.

 

إنه يرضي الرحمن لأنك بذكر الله عزَّ وجل أنت مع الله، وإذا كنت معه كان معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟

 

ثمارٌ يانعة، وقطوفٌ رائعة تجنيها من ذكر الله، ذكر الله أن تكون مع الله بقلبك، الذكر الأعلى أن يكون بالقلب واللسان معاً، يليه الذكر بالقلب وحده، ثم الذكر باللسان وحده، أما أعلى أنواع الذكر فأن تذكره بقلبك ولسانك معاً.

 

3- يزيل الهمّ والغمّ من القلب:

 

من فوائد الذكر أنه يزيل الهمّ والغمَّ عن القلب، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهَم، الهموم التي تملأ القلوب، الهموم التي تُفَتَّت الأكباد، الهموم التي تَسْحَقُ الإنسان، إنها تذهب عن الإنسان بذكر الله، ألم يقل الله عزَّ وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28].

 

خالق الكون.. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر: 14].

 

الخبير يقول لك: سعادتك بذكري، وهل واحدٌ منَّا لا يبحث عن السعادة؟ هل في الأرض كلها إنسانٌ لا يبحث عن سلامته وسعادته؟ سلامته بطاعة الله، وسعادته بذكر الله.

 

ذكر الله واسعٌ جداً، ربما تذكره ذكراً تعبدياً فتقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

 

وربما تذكره ذكراً دَعَوِيَّاً بأن تبين للناس رحمة الله وعظمته وعدله وقوته وغناه ولطفه ورأفته.. إلخ.

 

وربما تذكره ذكراً تعرُّفياً بأن تتحدث عن آلائه وآياته، وعن خلقه في السموات والأرض، وفي الأنفس.

 

وربما تذكر أمره ونهيه، هذا من الذكر،ـ وربما تبادر إلى فعل أمره وترك نهيه وهذا من الفقه الأكبر.

 

وربما تدعوه والدعاء من الذكر، وربما تقرأ القرآن والقرآن من الذكر، وإذا قمت لتصلي فالصلاة ذكر ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: 14].

 

فما من نشاطٍ يتَّسع ويتسع ويتسع ليجعل كل نشاطات الإنسان ضمنه كالذِكر.

 

إذاً حينما يقول الله عزَّ وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28]، صيغة هذه الآية صيغةٌ قصرية، من القصر والحصر، أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، ومهما بحثت عن شيءٍ يسعدها بعيدا عن الذكر فهي تمشي في طريقٍ مسدود، أو مغلق.

 

4- يجلب الفرح والسرور للقلب:

 

الذكر يزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب له الفرح والسرور والبَسْط، هذا معنى قول بعض العلماء: "في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة".

 

وهذا قول بعض العلماء: "بستاني في صدري؛ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟"، هذا لأنه ذاكرٌ لله عزَّ وجل.

 

هناك صفةٌ للذكر تطهيرية، وصفةٌ تعطيرية، فبينما الذكر يطرد الشيطان إنه في تارةٍ أخرى يرضي الرحمن، بينما الذكر يزيل الهمّ والغمّ والحزن، هو من جهةٍ أخرى يجلب للقلب الفرح والسرور والانبساط، هل منَّا واحدٌ لا يتمنى أن يكون سعيداً؟ هل منا واحدٌ لا يتمنى أن يكون في أعلى درجةٍ من السعادة؟ إن طريقها ذكر الله.

 

5- يقوي الأبدان:

 

من أعجب ما في الذكر أنه يقوّي البدن، كيف؟ الآن ثبت أن معظم الأمراض وراءها شدةٌ نفسيَّة، اسألوا أهل الذكر، اسألوا الأطباء. تكاد تكون الأمراض بمجملها بسبب الشدة النفسية، ويقع في رأس الشدة النفسية الشِرْك، والغفلة عن الله عزَّ وجل، فالذي يشرك شركاً خفياً ويغفل عن الله عزَّ وجل يقع في شدةٍ نفسيةٍ خطيرة، وهذه الشدة النفسية من الثابت أنها تُضْعِف جهاز المناعة في الجسم، وأن جهاز المناعة مسؤولٌ عن مكافحة الأمراض الجرثومية والسرطانية.

 

فالذاكر مناعته قويةٌ جداً، وما دامت مناعته قوية جداً إذاً هو بعيدٌ عن الأمراض، وهذا معنى قول السلف الصالح: إن الذكر يقوّي القلب والبَدَن. يمكن أن تعزو أكثر أمراض القلب إلى الشدَّة النفسيَّة، ويمكن أن تعزو أكثر الأمراض الجرثومية والسرطانية إلى الشدة النفسية، فهذا الذي قال: إن ذكر الله عزَّ وجل يقوي القلب والبَدَن أصاب كبد الحقيقة.

 

6- يجعل الذاكر متألق الوجه:

 

﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة التحريم: 8]، الذاكر متألِّق الوجه، لأن نور الله في وجهه، لذلك قالوا: الذكر ينوِّر الوجه والقلب معاً. إذا نُوِّر قلبك صحَّت رؤيتك، ورأيت الحق حقاً، والباطل باطلاً، وإذا استنار وجهك كنت من أجمل الخَلْق -بعيداً عن شروط الجمال الموضوعيَّة- المؤمن متألِّق، وتألُّقه من اتصاله بالله عزَّ وجل.

 

7- يجلب الرزق:

 

ثم إن الذكر يجلِب الرِزق، قد يُحرم المَرْء بعض الرزق بالمعصية، فحينما تذكره كأن الله عزَّ وجل يقول لك: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [سورة النساء: 147].

 

لماذا التضييق؟ ولماذا الهَم؟ ولماذا الغم؟ ولماذا الحُزن؟ إنه يجلِب الرزق، قد يُمتحن الإنسان برزقه لكن مِن مظانِّ ذكر الله عزَّ وجل أنه يجلِب الرزق، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [سورة طه: 132].

 

صلة الرحم تزيد في الرزق، الاستغفار يزيد في الرزق، الاستقامة تزيد في الرزق، الإيمان والعمل الصالح يزيد في الرزق، وذكر الله عزَّ وجل يزيد في الرزق.

 

8- يكسو الله الذاكر مهابة وحلاوة:

 

ثم إن الذاكر يكسوه الله مهابةً وحلاوةً ونضرةً، ومن هاب الله ذاكراً هابه كل شيء، ومن لم يهب الله بغفلته أهابه الله من كل شيء، المؤمن له هالة، له وقار، له مكانة، جاءته من اتصاله بالله عزَّ وجل، فالذكر يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة.

 

9- يورث المحبة:

 

الذكر يورث المحبَّة، التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذِكر، إن أردت محبة الله عزَّ وجل فأكثر من ذكر الله عزَّ وجل، ورد في بعض الأثر: "إن أردتم رحمتي فاذكروني". إن أردت رحمة الله عزَّ وجل اذكره كثيراً، لأن الله عزَّ وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب: 41].

 

10- يفضي بالإنسان إلى مراقبة الله:

 

إن الذكر يُفْضي بك إلى المُراقبة، والمراقبة تفضي بك إلى الإحسان، والإحسان أعلى مراتب الإيمان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كأن مفتاح المراقبة أن تذكر الله، والمراقبة مفتاح أن تكون محسناً، لعل الإحسان نورٌ يقذفه الله في القلب كما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى.

 

11- يورث الإنابة وهي الرجوع إلى الله عزَّ وجل:

 

الفائدة الحادية عشرة للذكر: أنه يورث الإنابة وهي الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فمتى أكثرت الرجوع إليه بذكره أورثك هذا الرجوع إنابةً دائمةً إليه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سورة سبأ: 9].

 

بذكر الله عزَّ وجل ترجع إليه في كل شيء، في كل موقف، في كل موضوع، في كل نشاط، في كل حركة ؛ ترجع إلى أمر الله عزَّ وجل لأنك ذاكر ولست بغافل.

 

12- يورث القرب من الله تعالى:

 

الذكر يورث القُرب من الله تعالى، فعلى قدر ذكرك لله تعالى يكون قربك منه، وكلَّما كنت من الله أقرب كنت أسعد الخلق، وعلى قدر الغفلة يكون البعد عنه، لذلك أكبر عقابٍ يعاقب به الإنسان أن يُحْجَبَ عن الله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: 15]. 

وأكبر مكافأةٍ من الله ينالها الإنسان أن يكون قريباً من الله، قد يكون الإنسان في مِحْنةٍ شديدة، وفي عيشٍ خشن لكنه قريبٌ من الله عزَّ وجل، فهو أسعد الخلق، وقد يكون في بحبوحةٍ ماديةٍ لا توصف، وقلبه غافلٌ عن ذكر الله فهو أشقى الخلق، هذا الذي قال: "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف"، صَدَق لأنه ذاق من طعم القُرب ما ذاق، فرأى النعيم كله في القرب من الله عزَّ وجل.

 

13- يفتح أبواب المعرفة:

إن الذِكر يفتح أبواباً عظيمةً من أبواب المعرفة، وكلما أكثرت من الذكر ازددت من المعرفة، إن صحَّ أن هناك معرفةً إشراقيةً هي ثمرة هذا الذِكر، وهذه المعرفة الإشراقية منضبطةٌ بالكتاب والسُنَّة. فلعلِّ الله عزَّ وجل يزيدك بذكر الله فهماً لكتابه، وفهماً لسنة رسوله، وإدراكاً للحِكَمِ التي وراء النصوص. 

14- يورث ذكر الله للإنسان: 

الفائدة التي بعدها إن ذكر الله عزَّ وجل -وهذه من أخطر الفوائد- يورث ذكر الله لك. فرقٌ كبير بين أن تذكره وبين أن يذكرك، إذا ذكرك أسعدك، إذا ذكرك فأنت أسعد الخلق، إذا ذكرك وفَّقك، إذا ذكرك نصرك، إذا ذكرك نوَّر قلبك، إذا ذكرك ألقى في قلبك الأمن ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: 81-82]. 

شتَّان بين أن تذكره وبين أن يذكرك، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة: 152]. 

 أنت إن ذكرته التمست عفوه، ومغفرته، والقُرب منه، أما إذا ذكرك ألقى الأمن في قلبك، إذا ذكرك وفَّقك في زواجك، إذا ذكرك أنطقك بالحق، إذا ذكرك كان عُمُرك مباركاً؛ قمت في هذا العمر المحدود بأجلِّ الأعمال، حتى إن الله عزَّ وجل أقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الحجر: 72].

 

لماذا أقسم الله بعمر النبي؟ لأن هذا العمر فعل فيه الشيء الذي لا يوصف؛ كان سبب هداية البشرية، وحجمك عند الله أيها الأخ الكريم -وأنا معك- بحجم عملك الصالح، فكلما ازددت قرباً من الله، أجرى الله على يديك العمل الصالح.

والعمل الصالح سبب لدخول الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 32].


15- يورث حياة القلب:

ذكر الله عزَّ وجل يورث حياة القلب، قال بعض العلماء: الذكر للقلب مثل الماء للسَمَك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟.

وهذا مثلٌ بليغ، ذكر الله لنا كالماء ونحن السَمَك، فإذا فارقنا الماء بدأ الاضطراب، وبدأت المنازعات والخصومات، والأحقاد، والحروب، والعدوان، كل مشكلات البشر من بعدهم عن الله عزَّ وجل، بل إن كل ما يعانيه أهل الأرض هي أعراض البُعد عن الله عزَّ وجل، بل هي أعراض الإعراض عن الله عزَّ وجل. 

قال بعض العلماء: "الذكر قوت القلوب، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته".

 أنت جسمٌ يحتاج إلى طعامٍ وشراب -ثلاث وجبات يومية- وأنت نفسٌ تحتاج إلى ذكر. العقل يحتاج إلى علم، والقلب يحتاج إلى ذِكر، والجسم يحتاج إلى طعامٍ وشراب، أغذيةٌ ثلاثة إذا قصَّرت بواحدٍ منها اختلت حياتك، إذا قصَّرت بالذكر تصحَّر قلبك، وإذا قصَّرت بالعِلم جَفَّ عقلك، وإذا قصَّرت بالطعام والشراب ضعُف جسمك، أنت بحاجةٍ إلى غذاءٍ للجسم، وغذاءٍ للعقل، وغذاءٍ للقلب، وغذاء القلب ذكر الله ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28].

وغذاء العقل العلم الصحيح المستنبط من الوحي، وغذاء الجسم الطعام والشراب.

16- يورث جلاء القلب من صدئه:

والذكر يورث جلاء القلب من صَدَئِهِ، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن هذه القُلُوبَ تَصْدَأ كما يَصْدَأ الحديد، قيل فما جلاَؤها؟ قَالَ: ذكْرُ الله) [مجمع الأمثال].

الإنسان أحياناً يعاني من ضيق في قلبه، من سَأَم، من ضَجَر، من تشاؤم، من سوداوية، من انقباض، هذه أعراض الغفلة عن الله عزَّ وجل.

17- يزيل الوحشة بين العبد وربِّه:

 

والذكر يزيل الوحشة بين العبد وربِّه، فالغافل بينه وبين الله وحشة لا تزول إلا بالذِكْر، وأسعد الناس هو الذي بينه وبين الله اتصال، والعلاقة بين الله وبينه عامرة..

 

فلـيتك تحـلو والحيـاة مريـــــــــرةٌ * * * وليتك ترضى والأنامُ غِضابُ

وليت الذي بيني وبينك عـامــرٌ * * * وبيني وبيـن العالمين خــرابُ

إذا صحَّ منك الوصل فالكل هينٌ * * * وكـل الذي فوق الترابِ تـــــرابُ

 

18- ذكر الله ينفع حين الشّدة:

 

إنك إن ذكرت الله عزَّ وجل وحمدته وسبَّحته ووحدَّته، ذكرك عند الشدة، فقد ورد في الحديث الشريف: (الذين يذكرون من جلال الله وتسبيحه وتكبيره وتحميده ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن) [تخريج أحاديث الإحياء عن النعمان بن البشير].

 

أيْ أن ذكرك لله عزَّ وجل ينفعك حين الشدة. وإن العبد إذا تعرَّف إلى الله بذكره في الرخاء عرفه في الشدة.

 

19- ينجي من عذاب الله تعالى:

 

وإن الذكر ينجي من عذاب الله تعالى، كما قال معاذ رضي الله عنه، ويروى مرفوعاً: (ما عمل آدميٌ عملاً أنجى من عذاب الله عزَّ وجل من ذكر الله تعالى) [الدر المنثور في التفسير بالمأثور عن جابر].

 

20- الذكر سبب تنزيل السكينة وغشيان الرحمة:

الذكر سبب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة للذاكر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.

21- يبعد الإنسان عن الغيبة والنميمة:

وذكر الله عزَّ وجل سببٌ يبعدك عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفُحش، والباطل، فإن العبد لابدَّ له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله عزَّ وجل وذكر أوامره، تكلَّم بهذه المحرَّمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة البتَّة إلا بذكر الله تعالى 

هذه قاعدة: "نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر". لابدَّ من أن تتكلَّم، فإذا وطَّنت نفسك أن تذكر الله في كل مجلس الذكر الدَعَوِي؛ تشرح آية، تشرح حديثاً، تشرح حكماً فقهياً، قصَّة عن أصحاب رسول الله، آية كونية، شيئاً يقرِّب من الله، إن لم تذكر الله لابدَّ من أن تذكر الناس بعيوبهم ونقائصهم، وقعت في الغيبة، والنميمة، والفُحش، والمحاكاة، وآفات اللسان كلها. لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال: (أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَة الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة) [أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة].

 

مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 1-3].

 

22- الذاكر يسعد ويسعد به جليسه:

 

الذاكر يسعد، ويسعد به جليسه، لذلك لا تصاحب من لا يرقى بك إلى الله حاله، ويدلُّك على الله مقاله، من أين جاء هذا الحال؟ من الاتصال بالله عزَّ وجل، سيدنا حنظلة جلس يبكي، فرآه الصديق عليه رضوان الله فقال: ما لك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة، نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى. فانطلقا إلى رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: (إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا) [كنز العمال عن عطاء].

 

(يا حنظلة لو أنكم كنتم أبدا على تلك الحالة لصافحتكم الملائكة في الطريق وعلى فراشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) [مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ].

 

إذاً الذاكر له حال، وهذا الحال كالنور له إشعاع. فالذاكر يسعد بذكره ويُسعد جليسه بذكره.

 

23- الذاكر يأمن من الحسرة يوم القيامة:

 

والذاكر يأمن من الحسرة يوم القيامة، فإن كل مجلسٍ لا يُذكر الله فيه حسرةً على أصحابه (ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون اللّه فيه إلاَّ قاموا عن مثل جيفة حمارٍ وكان عليهم حسرة) [أبو داود عن أبي هريرة].

 

الحسرة التي تتأتَّى من الغفلة عن الله يتلافاها الذاكر. والاشتغال بالذكر سبب عطاء الله عزَّ وجل، لقول الله عزَّ وجل في الحديث الصحيح: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) [من الدر المنثور عن عمر بن الخطاب].

 

24- الذكر أيسر العبادات وأجلّها وأفضلها:

 

ثم إن الذكر أيسر العبادات وهو من أجلِّها وأفضلها، حركة اللسان أخفُّ حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرَّك عضوٌ من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة اللسان لشقَّ ذلك عليه، فأنت بذكر الله، بالدعوة إلى الله، بتبيين الحق، بالنصح، بإرشاد المسلمين، ببيان أحكامهم الفقهية أنت ذاكر، تذكر ذكراً تعبدياً، وذكراً دَعَوِيَّاً.

 

أيها الإخوة الكرام.. هذا الذكر فوائده لا تحصى، وقد عدَّ بعض العلماء للذكر مئة فائدة، وهذه بعضها.

 

طبِّقوا قول الله عزَّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب: 41-43].


المصدر : موقع اسلاميات 

لذة الإحسان

يبحث الإنسان في أقطار هذه الحياة عما يسعده فيها، ويريحه من عنائها وشقائها، ويسليه في أحزانها وغمومها، ويداويه أو يخفف عنه أوجاعها وأسقامها؛ ليجد بعدئذ اللذة والسرور. لكن بعض الناس قد يخطئ الطريق إلى هذه الغاية؛ فيذهب يبحث عنها في إشباع الشهوات الجسدية دون حدود، وتلبية الرغبات ال

السير إلى الله

حلاوة الايمان أعظم زاد في هذه الرحلة ولا يتذوق حلاوة السير ولذة هذا العيش إلا من كان له نصيب بمعرفة الله وتوحيده وعاش حقائق الايمان وجرب هذه اللذة.. قال بعض الصالحين : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف .. يقول ابن القيم – عليه رحمه الله - : " في الطريق

القوة الروحية

الإخلاص يمنح المخلص قوة روحية هائلة، مستمدة من سمو الغاية التي أخلص لها نفسه، وحرر لها إرادته، وهو رضا الله ومثوبته. فإن الطامع في مال أو منصب أو لقب أو زعامة: ضعيف كل الضعف، إذا لاح له بادرة أمل في تحقيق ما يطمع فيه من دنيا، ضعيف أمام الذين يملكون إعطاءه ما يطمح إليه، ضعيف إذا خ