توفيق الله للعبد

التاريخ: الثلاثاء 15 إبريل 2014 الساعة 12:00:00 صباحاً
توفيق الله للعبد

توفيق الله للعبد

الحمد لله الذي ألبس من شاء من عباده لباس الهداية والتوفيق، وألزمهم كلمة التقوى فصارت الطاعة لهم خير أنيس ورفيق، وألهمهم شغل أوقاتهم بالخير فصرفوا كل وقت لما هو به خليق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

ايها المسلمون :ان التوفيق كلمة جميلة يتمناها كل إنسان، والتوفيق يعود إلى إصابة الخير والحق والصواب، والتوفيق من الله عز وجل كما قال ذلك النبي الكريم: وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ)سورة هود 88. ومن وفقه الله تعالى فقد أوتي الخير كله، والموفق من أهل الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا) فقال في خطبته: (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، متصدق، موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، وعفيف متعفف ذو عيال). الحديث رواه مسلم

 والتوفيق معنا ه: أن يهيئ له أسباب ما يرضيه سبحانه وتعالى، وما يوافق ما أراده من عبده، وهذا التوفيق أن يكون هوى الإنسان تبعاً لما طلب منه شرعاً، فإذا كان الإنسان لا يرغب فيما حرم الله عليه ويرغب فيما أوجب عليه فهو موفق.

وعليه فإذا أراد العبد أن يكون أعلاً لتوفيق الله فلا بد أن يعرف ما هي علامات توفيق الله للعبد ليحرص أن يكون من أصحابها وليضرب في كل علامة بسهم ،وليتشبه بأهلها إن التشبه بالكرام فلاح.

ومما يجعل لطرح مثل هذا الموضوع أهميةً كبرى اختلالُ موازين كثير من الناس، وظنُّهم أن من توفيق الله للعبد هو أن تفتح له الدنيا وإن ضيّع أمر دينه وآخرته، وهذا من الجهل المركّب بدين الله وبكتاب الله وسنة مصطفاة، وعليه فإنّ من تأمّل كتاب الله وسنة رسوله الكريم وتدبّرهما حقّ التدبر يجد أن من علامات توفيق الله للعبد ما يلي:

أولاً: إن أعظم ما يمكن أن يكون من علامات التوفيق هو التوفيق للعمل الصالح عمومًا على اختلاف أنواعه بدنيا أو ماليًا أو قوليًا، والله عز وجل بيّن أن الطاعة والتوفيق لها هو الفوز العظيم فقال سبحانه: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71]، وجاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: ((إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله)) قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل موته)). وجاء أيضا في الحديث عنه عن أبي بكرة أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: ((من طال عمره وحسن عمله)) قيل: فأي الناس شر؟ قال: ((من طال عمره وساء عمله)).

ثانيًا: أن يوفق العبد لطلب العلم الشرعي والتفقه في دين الله، ومن سلك طريقَ العلم فإنه على خير كثير، فقد جاء في الحديث الصحيح عنه أنه قال: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)).

ثالثًا: التوفيق لنشر الخير والدعوة إلى الله وإصلاح الناس، فإن هذه هي وظيفة الأنبياء والرسل، وقد قال الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]. وإن من توفيق الله للداعية والذي ينشر الخير أن يدعوهم للأصل العظيم والأمر الأول الذي لأجله خلقَت السموات والأرض، وهو الدعوة إلى توحيد الله، والتي كانت أساس دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ لأن الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله مما يحبه الله عز وجل؛ لأن التوحيد أعظم ما يطاع الله به في هذه الأرض، والشرك أعظم ما عصي الله به في الأرض كما صحّ عنه أنه سئل أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)))،

رابعًا: أن يوفق العبد للتوبة من الوقوع في المعاصي حتى لو تكرّرت منه، أو يحال بينه وبين المعاصي فلا يستطيع أن يصل إليها، فإن هذا من علامة التوفيق والسداد وإرادة الله به خيرًا، نعم من علامة توفيق الله ان يحال بينك وبين المعصية فلا تستطيع ان تصل اليها يقول جل وعلا: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا [النساء:27]، والله عز وجل يفرح بتوبة عبده، نسأل الله أن يمنّ علينا وعليكم بقبول التوبة إلى الله، وأن يحول بيننا وبين المعاصي الى أن نلقاه .

فيا أيها الشاب الكريم، إذا هممت بأن تعصي ربّك وأعددت العدّة لذلك وأغلقت الأبواب وأرخيت الستورَ وحيل بينك وبين المعصية فاحمد الله كثيرًا، واشكره كثيرًا، فإن ربك يريد بك خيرًا، فربك لما أراد بيوسف عليه السلام خيرًا عصمه من الوقوع في الفاحشة وصرفها عنه فقال سبحانه: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، عصمنا الله وإياك من الزلل والوقوع فيما يغضبه سبحانه.

خامسًا: ومن علامات التوفيق أن يوفّق العبد لنفع الناس وقضاء حوائجهم كما صحّ عنه أنه قال: ((أحب الناس إلى الله أنفعهم(

سادسًا: أن يوفق العبد للعناية بكتاب الله تعلّما وتعليما، ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). فهنيئًا لكل من درس كتاب الله ودرّسه وقرءه كلّ يوم. وأنت يا من فرّطت في كتاب الله وتلاوته، تدارك نفسك فإن من علامة التوفيق أن توفق لتلاوة كتاب الله حتى تحوز على هذه الخيرية والأجر العظيم.

سابعًا: أن يوفق العبد للقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]

وقال سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، فعلق سبحانه الفلاح والتوفيق على من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وجعل الخيرية في هذه الأمة لمن أمر ونهى، جعلنا الله وإياكم منهم.

ثامنًا: أن يوفق العبد لكريم الخصال وحسن الأخلاق وسلامة الصدر ومحبة الخير للمؤمنين كما جاء في الحديث: ((إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا)). وحسن الخلق أثقل شيء في الميزان، وأما سلامة الصدر من الغلّ والغشّ والحسد فهو من توفيق الله للعبد؛ لأنه من أسبابِ دخول الجنّة كما جاء في الحديث والرسول قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).

تاسعًا: عدم تدخل الإنسان فيما لا يعنيه كالاشتغال بتتبّع أخبار الناس وما فعلوا وما أكلوا وما شربوا، والتدخّل في الأمور التي لا يحسنها ونحو ذلك، فقد قال النبي : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وجاء في سير أعلام النبلاء في ترجمة الصحابي الجليل أبو دجانة المجاهد البطل أنه دخل عليه بعض أصحابه وهو مريض ووجهه يتهلل فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: "ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا".

عاشرًا: حسن عِشرة الإنسان لأهله، فقد قال : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))، فالعبد إذا قضى حوائج أهله وقدّمها على الأصدقاء والأصحاب والأقارب كان موفّقًا مسدّدًا، فحقّهم أولى وأوجب من غيرهم، فيجب عليك ـ ايها المسلم أن تعطيَ لكلّ ذي حقّ حقه .

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة قلت من هذا؟ فقالوا : حارثة بن النعمان ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذلكم البر كذلكم البر  وكان أبر الناس بأمه  ( .