كـن مع الذين " يُحِبُّهُــمْ وَيُحِبُّـونَــهُ "

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 10 يناير 2018 الساعة 06:04:37 مساءً

يقول الله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } (البقرة 165).

     والآن، اخي الكريم، وبعد وقفتنا، في درس سابق، على معرفة الله تعالى في دواعيها ومقتضياتها وثمراتها، تحت عنوان (هل عرفت ربك ؟)، هيا بنا الى وقفة متأنية مع محبته سبحانه، في مدلولها ومنزلتها، ومسالك تحقيقها، وما لها من فضائل وتجليات وثمـرات، عسى أن يسمو بها إيماننا، ونرقى في مدارج عبوديته،  فيتجلى علينا منه سبحانه بالمحبة والرضا والرضوان. 

    ان محبة العبد لربه أصل الآصول في العبودية والعبادة، ومن أجلّ أعمال القلوب وأشرفها، بل عنها تنبثق  ومنها تستمد حرارتها؛ فما بعد المحبة مقام إلا وهو فرع منها وثمرة من ثمارها. وليس قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة لها. انها الصفة القلبية التي تكون بها أقوى صلة وتعلقا بالله صدقا واخلاصا، رغبة في ارضائه وهو محبوبك الاسمى الذي لا تدانيه ولا تزاحمه في قلبك محبوبات الدنيا كلها. انظر كيف عبر الجنيد عن قدسية هذه المحبة فقال: " المحب لله ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبَه أنوارُ هيبته، وصفا شربه من كأس وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله، وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله" [مدارج السالكين ج3. ص11]. فالمحبون لله تعالى هم القائمون بأوامره الشرعية، والمنتهون عن زواجره؛ ولو بطلت حقيقة المحبّة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطّلت منازل السّير إلى اللّه. ولا غرابة فإنّها روح كلّ مقام ومنزلة وعمل. وفي القرآن الكريم، كثير من آيات الثناء على المحبين لله، والذم والوعيد لمن يحبون من دونه الانداد،  كقوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّد مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } (المائدة/ 54). وقوله سبحانه: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ } (البقرة 165).  وفي السنة النبوية عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ (ض) عن النَّبيِّ صلى اللَّه عليه وسلَّم قَال: ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بعد اذ نجاه الله منه، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (البخاري). ولما كان الحبيب المصطفى أشد العباد حباً لله، كان أشدهم تلذذاً بطاعته والوقوف بين يديه وهو القائل: (…وَجُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ). وقال احد الصالحين المحبين: ( مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب مافيها، قيل: وما أطيب ما فيها ؟: قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته).

   فاستفت قلبك يا اخي لتنظر ما يكون قدر محبتك لله ربك وولي نعمتك، فذلك مبلغ ايمانك ويقينك.

فهل جربت مرة في لحظة صفاء وبمنتهى الصدق أن تسائل نفسك عن حقيقة حبك لله، وقدره عندك، وتجلياته في مشاعرك وأفعالك ؟. فقد تقول: كلنا يحب الله" و إلاّ فكيف أكون مسلما دون الايمان به ومحبته !.  لكن قصدي ان تنظر هل أنت تحبُ الله بكل كيانك، روحا وقلبا وعقلا ؟  حتى يشغلك حبه فتكون أشد حبا لله؟. ولا غرابة، فإنَّ الأمر يستدعي درجة عالية من الصدق وإلإخلاص والشفافية، وشهادة الحال والعمل، فإنَّ للمحبة علامات، إذا لم تشهد بها المشاعر والاقوال والافعال، كانت مجرد ادعاء كاذب. وقديما قيل بلسان الشعر:

                      تعصـي الالـه وأنت تـزعُـم حبَّـــهُ    هـذا لعمـري في القيـاس شنيـــعُ

                      لـو كان حُبّــك صـادقــا لأطعتـَــهُ     إنّ المـحــبَّ لمـن يحــبّ مُـطـيـــعُ

     وقد يُشكل عليك أن يكون المؤمن عبدا خطاء، غير معصوم،  فكيف يجمع بين حبه لله، ووقوعه حتما في معصيته؟ ولكن الإشكال يزول إذا علمت انه مهما وقع في المعصية، فان محبته لربه تجعله يسارع في التوبة والإنابة والاصلاح، فإذا هو كمن لا ذنب له، عملا بأمر الله تعالى:{ إلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان 70). ثم إنه بقدر ما يصدق في محبته لله، يحظى عنده سبحانه بمحبته، فالله يحب من أحبه، ويكلؤه بمعيته وعنايته وجميل عفوه، وذلك فضل لا يناله الا ذو حظ عظيم.  وكما يوفقه للطاعات، يلهمه التوبة كلما وقع منه الذنب، ويرزقه العمل بالمكفرات من الأعمال الصالحة التي تمحو أثر المعصية، شريطة براءته من الإصرار والاستكبار.  قال الشعبي: "إذا أحب الله عبدًا لم يضره ذنبه".

    أخي الكريم، لاشك انك ترجو ان تحبّ الله فيحبَّـك، ويسعد قلبك بهذه النعمة العظيمة؛ فهل أنت  على رغبة قوية وتعطش شديد، واستعداد أكيد، لبذل كل ما تستطيع من أجل أن تنال شرف محبته،  فتذوق بها طعم السعادة الحقيقية، وتحيا جنة الدنيا بكونك لله ومع الله بكل كيانك؟ فما عليك إذن الا أن تعزم على تحقيق مرادك، متوكلا على الله، سائلا مولاك بالدعاء المأثور راجيا: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ )(الترمذي). واركب طريق معرفته، فانك بقدر ما ترقى معرفتك به، في أسمائه الحسنى وصفاته العلا، يشتد تعظيمك له وتعلقك به، فيرقى معها قلبك في مدارج حبه، متنعما بلذة الاقبال عليه، فأنَّ الله يحب أن يتعرف عليه عبده، ويتحبب اليه بذكره وشكره، ويتقرب إليه بطاعته. بواحذر الجهل بالله فانه وراء كل جحود ومعصية، وقد قيل: "لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه، فكفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا". وأذا تحرك حبربك في قلبك، فتلك بشارة حبه لك، يقول ابن القيم: "وإذا أحب الله عبدا انشأ في قلبه محبته". (مدارج السالكين).

  فتدبر، يا أخي، فضل الله عليك، وتأمل ما يغمرك من واسع نعمه، في كل ما حولك في الارض والسماء مما تنتفع به من شمس وقمر وليل ونهار، وهواء ومطر وشجر وانهار وبحار.. وفي كيانك وما يحمل من كنوز النعم، في جسمك وقلبك وعقلك وسمعك وبصرك ولسانك وقدراتك، وفي مواهب الارزاق بالمال والعافية والتيسير و التوفيق والتسخير، وغيرها مما لا يحصى{ وإن تعُدّوا نِعمةَ اللهِ لا تُحصُوها}، نِعمٌ تغمرك بفضل الله، وما اعطيت مقابلها شيئا، ولو طولبت بذلك، ما قدرت على كفء نعمة واحدة منها !.إنه الرب الجواد الكريم، يقبل منك العمل مهما قـلّ، ويشكره لك ويضاعف الجزاء، فيعطي على الحسنة عشر أمثالها، الى اضعاف مضاعفة، وينقذ من النار ولو بشق تمرة. ومهما يراك على التقصير في شكره، والوقوع في معصيته، فانه لا يحرمك فضله ونواله، ولا يعاجلك بالعقوبة،بل يسترك ولا يفضحك، ويمهلك، ويذكّرك، ويقبل منك التوبة، ويتجاوز عنك، وهو الذي ( يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا )(مسلم).  فكيف لا يملأ حب الله قلبك، ويؤجج مشاعرك، وهذا جميل إبداعه وعظيم مواهبه فيك ومن حولك ؟!.

   ثم انظر الى كرمه سبحانه، كيف أحبك وآثرك من دون الملايين من عباده، بنعمة هي أجلّ وأشرف وأكرم، حين انعم عليك بالإسلام، وانقذك به من ظلمات الكفر والضلال، الى نور الايمان والهداية، وشرّفك بالانتماء لأمة الخيرية، أمة اشرف المرسلين عليه الصلاة والسلام؛ وكفى بذلك شاهدا على محبته لك، فانه لا يُنعِم بالاسلام الا على من أحب. فماذا صنعت لتشكر هذه النعمة الأعظم، وهل تصورت ماذا يكون حالك ومصيرك لو لم يتداركك بنعمة الاسلام والايمان!. فاحمد الله كثيرا على أيمانك، واجتهد به في ارضاء مولاك ليجعلك ممن {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] فقد آتاك بالايمان ما هو أغلى من الدنيا كلها وما فيها، فضلا منه ونعمة { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } (الأحزاب: 47). وعن ابن مسعود (ض) قال: " إن الله يؤتي المال من يحبُّ ومن لا يحب، ولا يؤتى الإيمان إلا من أحب، فإذا أحب الله عبدا أعطاه الإيمان، فمنْ ضنَّ بالمال أن ينفقه، وهاب العدو أن يجاهده، والليلَ أن يكابده، فليكثر من قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله" (رواه الطبراني)

  جدير بك، أخي في الله، ان ينبض قلبك بحبه، وانت تعاين بديع صنعه، وتقرأ جميل صفاته وكريم أسمائه، وتعلم ان منه وحده، وبفضله، كل ما انت فيه من النعم المادية والمعنوية، ما تعلم منها وما لا تعلم { وَما بِكُم مِن نِعمةٍ فمِن اللهِ }، فإنَّ النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، ولذلك ندبنا الله إلى التحدث بنعمه، فقال: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } ( الضحى: 11). وبمحبة الله لك، يحبك اهل السماء بأمره، ويجعل لك المحبة والقبول عند اهل الارض. وليس يقتضيك ذلك الا تصدُق في محبته، لا تبتغي بها مطمعا دنيويا سوى ان تسعد برضاه. قال الفضيل: "عاملوا الله عز وجل بالصدق في السر، فإنَّ الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبدا أسكن محبته في قلوب العباد".

    واعلم ان الله تعالى، بحبـه لك، يتولى أمورك ويدبر شؤونك، ويكفيك حاجاتك، وهو اعلم بك وبأحوالك، فلا يكلك الى نفسك فيها.  وبحبه تنال ولايته، فاذا انت في كنف عنايته، في اقوالك وافعالك واحوالك، وهو الذي قال في الحديث القدسي عن أهل محبته: ( فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمع به، وبَصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطِيَنّه ولئن استعاذَني لأعِيذَنّه ) (رواه البخاري). وقال الحارث المحاسبي: "إنَّ علامة محبة الله للعبد أنْ يتولى الله سياسة همومه فيكونَ في جميع أموره هو المختارَ لها."

   ولا تجزع إذا ابتلاك مولاك ببعض الشدائد والمحن، ونوازل الفتن، وهو الحكيم الرحيم، فانما هي تذكبر لك أو تنبيه، وتمحيص لقلبك في مدى صدقك وثباتك، وتحرير لك من هموم الدنيا، غيرة منه عليك أن تقع فيما يفسد عليك آخرتك، وحبا منه في سماع صوتك تجأر اليه بالدعاء، معلنا عبودية الافتقار والانكسار بين يديه بالشكوى والتضرع والسؤال، وهذا مقام العبودية الأعظم، وهو الذي يحب ان يراك راضيا بقضائه، صابرا على بلائه، محتسبا عنده جزاء الصابرين: { إنّما يُوفّى الصّابِرونَ أجرَهُم بغَير حِسابٍ }. وقد قال صلى الله عليه وسلم:( إذا أحبّ اللهُ قوما ابتلاهُم فمَن صبَر فله الصبرُ، ومن جَزِع فله الجَزَع)(أحمد).

 

الخطبـة الثانيــة:

  أخي الكريم، إنك بقدر إخلاصك لله في محبته، واجتهادك في مرضاته، تحظى منه بالقبول، فيوفقك لأعمال الطاعات وفعل الخيرات، ويكرّه اليك المعاصي والمنكرات، ويدفع عنك السوء ويدافع عنك، وهو القائل سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج: 38). ثم يصطفيك قبستعملك في ما يرضيه من خدمة الناس؛ وانه لشرف عظيم ان تكون في خدمة مولاك، يستعملك في قضاء حاجات الناس وإيصال الخير إليهم، فيعظم لك  الاجر ويثقل ميزانك، ويدخلك في رحاب رضاه ورضوانه. قال ابن القيم: "إذا أحب الله عبدًا اصطنعه لنفسه، واجتباه لمحبته، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته" (الفوائد ص98).

   فاعمل اخي الكريم بما يرضي الله جل وعلا ليرفعك الى مقام الذين "بحبهم ويحبونه"، فانه مع واسع مواهبه لهم وفضائله عليهم،مما علمت، يُفرغ عليهم سبحانه، من تجليات اسمائه الحسنى، حليةَ مكارم الأخلاق. فهو الرحيم الكريم الودود العفو الغفور الشكور الصبور العدل الحليم..،  ويحب ان يرى محبوبيه ومحبيه، على خصال الرحمة والكرم والمودة والعفو  والمغفرة والشكر والصبر والعدل والحلم ..وهكذا. أليس هو الذي خلقهم ونفخ فيهم من روحه، وهو الذي يتكرم عليهم بخصال نفخة روحه فيهم، فإذاهم أكرم الناس خُلقا، وأزكى نفوسا، و اطيب منطقا وسلوكا. ففي بعض الآثار: " إنَّ محاسن الأخلاق مخزونة عند الله، فإذا أحب الله عبدا منحه خلقا حسنا". ألا ترى أنَّ كثيرًا ممن كانوا على شراسة الطباع وسوء الأخلاق في جاهليتهم، كيف غير الايمان طباعهم، وزكى نفوسهم، وحسّن أخلاقهم، حتى لكأنهم ولدوا من جديد. وذلك من فضل الله عليهم بحبه لهم بعد أن اكرمهم بنعمة الاسلام والايمان، فكانوا له موحدين طائعين عابدين. قال أحد العارفين في (في حلية الاولياء): "من عرف الله تعالى أحبه، ومن أحب الله أطاعه، ومن أطاع الله أكرمه، ومن أكرمه أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره فطوباه، وطوباه، وطوباه ".

   أخي الكريم، وبعد أن علمت ما تعنيه محبتك لله ومحبته لك، في ميزان الايمان، من عظيم القدر والشرف، وما تنال منه سبحانه من مواهب وفضائل، مشمولا برضاه، مكفولا بمعيته، محفوظا برعايته.. فما عليك الا أن يراك سبحانه على صدق الايمان به، والاخلاص في طاعته، والاستقامة على دينه، والاجتهاد في ذكره وشكره وحسن عبادته. فاكثر من دعائه وذكره، ومن تلاوة كتابه بتدبر وتعظيم، ومن نوافل الصلاة، وخاصة منها قيام الليل في تبتل وخشوع.. فما دمت مجتهدا فيما يحب من الطاعات والقربات وفعل الخيرات، فإنه يزيدك من التوفيق لما يحب منك ويرضى، وكفى بذلك شاهدا على محبته لك. فهل تبتغي من دنياك وآخرتك ما هو اعظم واشرف من نعيم محبته ورضاه ورضوانه !.

   جعلني الله واياك من الذين " يحبهم ويحبونه " والهمنا طريق محبته وأسبابها، انه حليم كريم.